
مجدي محمد مصطفي ماكن
في كل الانقلابات التي سبقت يونيو 1989، كان الجيش يستخدم الأيديولوجيا كغلاف خارجي يرتديه ويخلعه متى شاء. لكن انقلاب البشير – أو بالأدق انقلاب الترابي بيد البشير – كان مختلفاً في جوهره.
فلأول مرة في تاريخ السودان، لم تكن هناك حركة سياسية تستخدم الجيش، بل كانت حركة سياسية تسكن الجيش وتعيد بناءه من الداخل.
تلك هي الكيزانية الشاملة. وفهمها هو مفتاح فهم كل ما جرى بعدها حتى اليوم.
ما قبل 1989 الجيش مؤسسة تُستخدَم
في عهود عبود ونميري، كان الجيش مؤسسةً مهنية – ولو جزئياً – تُختطف من قِبل نخب سياسية خارجية. كان الضابط ينتمي إلى الجيش أولاً، ثم يُقرر أيديولوجيته لاحقاً أو يُسبغها عليه من فوق. وكانت هناك مسافة – ولو رمزية – بين المؤسسة العسكرية كجهاز والحزب الحاكم كتنظيم.
هذه المسافة هي التي أتاحت للجيش أن يُزيح نميري عام 1985 حين استنفد شرعيته. فالضباط الذين أطاحوا به لم يشعروا أنهم يخونون أيديولوجيتهم، لأنهم لم يكونوا متماهين معها أصلاً. كانوا يُزيحون رجلاً لا مشروعاً.
انقلاب 1989 جاء ليُغلق هذه المسافة إلى الأبد.
ليلة 30 يونيو 1989 الانقلاب الذي لم يكن انقلاباً عادياً
في الظاهر، بدا انقلاب البشير مألوفاً. عسكريون، يستيقظ السودانيون صباحاً على صوت إذاعتهم يعلنون إسقاط الحكومة المنتخبة وتعليق الدستور وحلّ الأحزاب. لكن ما لم يُعلَن في ذلك الصباح كان الأهم: أن هذا الانقلاب لم يكن من تنفيذ العسكريين وحدهم، بل من تنفيذ عناصر في غالبيتها غير عسكرية، بل مدنيون كيزان، ومن تخطيط تنظيم مدني منضبط بدقة بالغة، عمل سنواتٍ يزرع عناصره في عروق المؤسسة العسكرية.
الحركة الإسلامية بقيادة حسن الترابي لم تنتظر أن تأتيها السلطة، بل صنعت طريقها إليها بمنهجية: أرسلت كوادرها إلى الكليات العسكرية، ورعت الضباط الموالين وسرّعت ترقياتهم، وأنشأت شبكات خلايا داخل الوحدات العسكرية، وبنت معادلة لم يسبق لها مثيل في السودان. تنظيم سياسي يُدار من داخل الزيّ العسكري لا من خارجه.
آلية الكيزان: كيف أعيدت هندسة جيش؟
الحركة الكيزانية الإرهابية لم تكن تقوم فقط بمجرد تعيين إسلاميين في مناصب قيادية، بل كانت مشروعاً متكاملاً لإعادة هندسة المؤسسة العسكرية على ثلاثة مستويات:
المستوى الأول – التطهير:
في الأشهر الأولى بعد الانقلاب، جرى إحالة مئات الضباط المهنيين إلى التقاعد القسري أو الاعتقال. المعيار لم يكن الكفاءة ولا السلوك المهني، بل الولاء الأيديولوجي. وأُحيل معهم عقود من الخبرة العسكرية الحقيقية إلى المجهول.
المستوى الثاني – الاستزراع: مُلئت الفراغات التي خلّفها التطهير بضباط أصغر سناً، اختيرت كثرتهم على أساس الانتماء للحركة الإسلامية أو التعاطف معها. و على أساس الإنتماء القبلي الموثوق لدى قادة الجناح العسكري للتنظيم.
وأُنشئت إلى جانب الجيش النظامي قوات موازية – الدفاع الشعبي الذي اشرف عليه منذ يومه الأول عضو القيادة العسكرية للتنظيم علي كرتي.
ثم أنشأت مليشيات عديدة في مناطق متفرقة من السودان، في جنوب السودان السابق و دارفور، ومليشيات إقليمية عابرة للحدود لزعزعة دول الجوار، كما في تشاد و يوغندا و أفريقيا الوسطى و مصر، حيث اوصلت إدريس ديبي الى حكم تشاد، و غلغلت استقرار يوغندا عبر مليشيات جيش الرب، ساهمت في نشر الفوضى في أفريقيا الوسطى. بل دربت مليشيات من الصومال و مصر و الشيشان.
كل هذه المليشيات كانت تحت إشراف و تمويل الجناح العسكري للحركة الإسلامية الذي يضم علي عثمان نافع و علي كرتي و صلاح قوش و يوسف لبس و آخرين، يعملون تحت مظلة ما يعرف حينها “بالإستراتيجية”، و هي الإدارة التي كانت تتحكم في كل شيء في الدولة.
الجناح العسكري للكيزان كان يدير هذا الكم الهائل من الحركات الميليشياوية خارج أطر المؤسسة العسكرية الرسمية.
المستوى الثالث — التأدلج: أُدخل التعليم الديني والأيديولوجي الإسلاموي “الكيزاني” كجزء لا يتجزأ من التدريب العسكري. وصارت الترقيات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالالتزام الديني الظاهر والولاء للمشروع الحضاري. بهذا تحوّل الجيش من مؤسسة ذات هوية مهنية إلى مؤسسة ذات هوية أيديولوجية مزروعة.
الترابي في الفخّ: حين أكل المولود أباه
المفارقة الكبرى في مشروع 1989 أن الترابي – الذي صنع الانقلاب – لم يتوقع أن الجناح العسكري سيبتلع تنظيمه لا أن تنصاع له. فحين أزاح البشير الترابي عام 1999 وأغلق البرلمان بالدبابة، فعل ذلك باستخدام نفس الأدوات التي علّمه إياها الترابي: ضباط مؤدلجون، شبكات موازية، وشرعية دينية مُصنَّعة.
لم يكن ما جرى بين البشير والترابي صراعاً بين الدولة والتنظيم – كما يُسوَّق اليوم بالقياس على البرهان وكرتي – بل كان صراعاً على من يُمسك بخيوط التنظيم ذاته داخل الدولة.
الفائز لم يكن “الدولة” بل كان الجناح العسكري للتنظيم في مواجهة جناحه المدني.
هذا الدرس يُعيد رسم المشهد الراهن بصورة أكثر وضوحاً.
الإرث العضوي: ما لا يمكن فكّه بقرار
الخطأ الفادح الذي يقع فيه من يصدّقون خطاب “تنظيف الجيش من الكيزان” هو افتراض أن التنظيم الكيزاني كان طبقة خارجية أُضيفت على الجيش ويمكن إزالتها.
الحقيقة أن ثلاثة عقود من الكوزنة الشاملة أنتجت واقعاً مختلفاً تماماً:
الضباط الذين يتولون القيادة اليوم هم في معظمهم ممن تدرّجوا في سلّم الترقيات خلال حقبة الإنقاذ. لا يعني ذلك بالضرورة أنهم جميعاً إسلاميون أيديولوجيون، لكنه يعني أنهم تشكّلوا في منظومة تجعل الولاء الشخصي للشبكة أهمّ من الالتزام المؤسسي.
كما ان الاقتصاد العسكري الذي بنته الإنقاذ – من شركات ومصانع وبنوك واستثمارات – أنتج طبقة من الضباط أصحاب مصالح اقتصادية ضخمة مرتبطة ببقاء المنظومة. هؤلاء لن يتخلوا عن مصالحهم بقرار إداري، بل سيتكيّفون مع أي خطاب جديد ما دام يحمي ثرواتهم التي نهبوها.
ايضا هناك شبكات الولاء الاجتماعية المبنية على المصاهرات والعلاقات العائلية والانتماءات القبلية التي نسجتها الحركة الإسلامية طوال ثلاثة عقود لا تُفكَّك بمراسيم، بل تحتاج إلى جيل كامل من إعادة البناء المؤسسي.
البرهان كنتاج لا كناقض
البرهان ليس رجلاً اختار أن يكون “رجل دولة” في مواجهة “رجال التنظيم”. البرهان هو نتاج نظام الكوزنة الشاملة بامتياز:
رُقِّي في عهد الإنقاذ متجاوزاً ضباطاً أقدم منه وأكفأ، وهو ما لا يحدث في مؤسسة عسكرية مهنية. وأقام علاقات وثيقة مع قيادة الجناح العسكري للتنظيم، و طوال عقود خدمته كانت جلها في تنفيذ مهام التنظيم القذرة، الإبادةالجماعية، انشاء المليشيات. ولم يُسجَّل عنه أي موقف نقدي من توظيف المؤسسة العسكرية خدمةً للمشروع الإسلاموي. بل كان معتمد في دارفور، و رئيس المؤتمر الوطني في المحلية و طوع بنان التنظيم.
وحين سقط البشير، كان البرهان هو الخيار الذي أجمعت عليه القيادات العسكرية للحركة لأنه الأكثر طواعيةً والأقل استقلالية، و له تاريخ طويل في تنفيذ الملفات القذرة، مثله مثل احمد هرون. وأسرته حاليا في تركيا — دولة الإخوان بامتياز — ليست تفصيلاً عابراً، بل هي عنوان على طبيعة الشبكة التي ينتمي إليها، و لا يستطيع الفكاك منها.
القول إن البرهان يواجه كرتي ويختار “منطق الدولة” يشبه تماماً القول إن البشير حين أزاح الترابي عام 1999 كان يختار منطق الدولة على منطق التنظيم. لم يكن كذلك. كان يُعيد توزيع السلطة داخل المنظومة ذاتها.
لماذا الكيزانية الشاملة هي الأخطر في التاريخ السوداني؟
كل الانقلابات السابقة خلّفت أضراراً جسيمة، لكنها خلّفت أيضاً إمكانية التصحيح: حين سقط عبود، عادت مؤسسات مدنية تعمل. وحين ترك نميري السلطة، كانت ثمة قوى سياسية مستقلة تملأ الفراغ. أما الإنقاذ فقد صنعت شيئاً مختلفاً: دمّرت المؤسسات المدنية المستقلة و دمرت الممارسة السياسية و ادخلت عليها شراء الذمم، و بالتوازي مع ذلك قامت بأدلجة المؤسسة العسكرية.
فحين تسقط الإنقاذ أو تتحوّل، لا توجد مؤسسة مدنية سليمة تملأ الفراغ، و لا أحزاب حقيقية تصحح نفسها ، ولا مؤسسة عسكرية مهنية تضمن الانتقال، ولا نخبة سياسية محايدة تدير المرحلة. هذا هو الميراث الحقيقي للكيزان: دولة تعجز عن إصلاح نفسها لأن أدوات الإصلاح ذاتها قد تكوزنت.
الخلاصة: من جيش الدولة إلى دولة الجيش إلى جيش التنظيم
المسار السوداني سار في ثلاث مراحل متصاعدة الخطورة:
في المرحلة الأولى، كان جيش الدولة يُستخدَم خادماً للمركز. وفي الثانية، أصبحت الدولة ملحقاً بالجيش. وفي الثالثة، أصبح الجيش ذراعاً للتنظيم والدولة غنيمةً للطرفين معاً.
كل من يدّعي اليوم أن بالإمكان إعادة الجيش إلى “منطق الدولة” دون تفكيك هذا المسار بالكامل، إما أنه لا يفهم ما جرى، أو أنه يفهمه جيداً ويسعى إلى إدامته تحت مسمى جديد.
التحرر من الكيزان لا يمرّ بإصلاح الجيش القائم. يمرّ ببناء دولة جديدة و جيش جديد لا تجعل من الجيش القديم عموده الفقري ابتداءً.
المقال القادم — 4/6: “البرهان: واجهة أم قائد؟” — تفكيك خطاب الفصل بين البرهان والكيزان، وتقديم الأدلة على استمرار سيطرة الكيزان على القرار العسكري




