بين الميثاق والقرار.. هل تنجح “تأسيس” في تحويل تمثيل النساء من رقمٍ معلّق إلى قوةٍ حاكمة؟
سهيبه مريش ،، نيالا

سهيبه مريش ،، نيالا
لا تنهض الأوطان بنصف طاقتها، ولا يستقيم العدل إذا غاب نصف المجتمع
مع تسارع خطوات استكمال مؤسسات الحكم التابعة لتحالف “تأسيس” في مدينة نيالا، التي برزت بوصفها العاصمة الإدارية لحكومة السلام، يطفو إلى السطح واحد من أكثر الملفات حساسية في مسار التحول السوداني: ملف تمثيل النساء داخل هياكل السلطة الجديدة، ليس بوصفه مطلبًا حقوقيًا فحسب، بل باعتباره معيارًا جوهريًا لجدية أي مشروع ديمقراطي ناشئ.
ورغم أن ميثاق “تأسيس”، الموقع في نيروبي، نص على ألا يقل تمثيل النساء عن ثلاثين بالمئة داخل مؤسسات الحكم، فإن السؤال الأكثر إلحاحًا لم يعد متعلقًا بالنصوص، بل بمدى القدرة على ترجمة هذا الالتزام إلى حضور فعلي في مواقع النفوذ وصناعة القرار، لا الاكتفاء بإشراك رمزي محدود الأثر.
بين النصوص والواقع
في التجارب السياسية الانتقالية، كثيرًا ما بدت الأرقام واعدة على الورق، لكنها فقدت قيمتها عند التطبيق. فالحصص المعلنة قد تتحول أحيانًا إلى واجهات تجميلية، إذا لم ترتبط بصلاحيات حقيقية ومشاركة مؤثرة في إدارة الدولة
وفي الحالة السودانية، حيث تتشكل المؤسسات الجديدة في ظل حرب مستمرة وانقسام سياسي عميق، تبدو المخاوف مشروعة من أن يتحول تمثيل النساء إلى بند شكلي، يُستدعى في الخطاب السياسي ويغيب عند توزيع مراكز القرار الأساسية.
فالتمثيل الحقيقي لا يُقاس بعدد المقاعد وحده، وإنما بموقع تلك المقاعد، ومدى قدرتها على التأثير في السياسات العامة، وتحديد الأولويات الوطنية، والمشاركة في رسم مستقبل البلاد.
نيالا.. مدينة القرار واختبار الإرادة
اختيار نيالا مقرًا لمؤسسات الحكم الجديدة يمنح المدينة رمزية سياسية كبيرة، باعتبارها مركزًا لتجربة مختلفة في إدارة الدولة السودانية خارج النمط المركزي التقليدي. غير أن هذا التحول الجغرافي يضع أيضًا القيادة الجديدة أمام اختبار أخلاقي وسياسي بالغ الأهمية: هل ستُبنى السلطة الجديدة بروح جديدة، أم ستُعاد إنتاج ذات أنماط الإقصاء القديمة؟
فالنساء السودانيات لم يكنّ غائبات عن المشهد الوطني يومًا. لقد شاركن في الحراك المدني، وقُدن المبادرات المجتمعية، وتحملن أعباء الحرب والنزوح والانهيار الاقتصادي، وظللن في مقدمة صفوف العمل العام رغم التهميش البنيوي الممتد لعقود.
ومن ثم، فإن أي مشروع لإعادة تأسيس الدولة يتجاوز النساء، أو يضعهن في مواقع ثانوية، إنما يعيد إنتاج الأزمة ذاتها بأدوات جديدة.
الحرب لا تُلغي العدالة
منذ اندلاع الحرب في عام 2023، تعرضت النساء في السودان لأعباء مضاعفة تمثلت في النزوح، وفقدان مصادر الدخل، وتراجع الخدمات الصحية والتعليمية، واتساع دائرة العنف الاجتماعي. وفي مثل هذه البيئات الهشة، يصبح إشراك النساء في الحكم ضرورة وطنية، لا ترفًا سياسيًا.
فالمرأة ليست مجرد فئة اجتماعية تطالب بحقوقها، بل هي شريك أساسي في بناء السلم الأهلي، وإعادة التماسك المجتمعي، وصياغة سياسات أكثر قربًا من احتياجات الناس.
وقد أثبتت تجارب عديدة حول العالم أن المجتمعات الخارجة من النزاعات تكون أكثر قدرة على التعافي حين تشارك النساء في هندسة المرحلة الانتقالية، لا حين يُطلب منهن الاكتفاء بدور المتفرج.
الاختبار الحقيقي: المنصب أم التأثير؟
التحدي أمام “تأسيس” اليوم لا يتمثل في إعلان نسب المشاركة، بل في الإجابة عن أسئلة حاسمة:
هل ستتولى النساء مواقع تنفيذية عليا ذات أثر مباشر؟
هل سيكنّ جزءًا من دوائر القرار السياسي والاقتصادي؟
هل ستحضر الكفاءات النسوية في الملفات السيادية والإدارية الكبرى؟
أم سيقتصر الأمر على تمثيل رمزي يحقق التوازن العددي دون تغيير جوهري؟
فهذه الأسئلة وحدها هي التي ستحدد ما إذا كان المشروع الجديد يسير نحو تحول ديمقراطي حقيقي، أم يكرر نماذج سابقة اكتفت بالشعارات.
لحظة السودان الجديدة
في نيالا، حيث تُرسم ملامح سلطة جديدة، لا يُقاس النجاح بسرعة تشكيل المؤسسات، ولا بكثرة البيانات، بل بمدى القدرة على كسر إرث التهميش التاريخي، وفتح المجال أمام مشاركة عادلة وفاعلة لكل السودانيين.
إن النص على تمثيل النساء خطوة مهمة، لكنها ليست نهاية الطريق. فالمعيار الحقيقي يبدأ عندما تجلس المرأة على طاولة القرار، وتشارك في صياغة المستقبل، وتُمنح الثقة الكاملة باعتبارها شريكًا في الحكم لا مجرد رقم في السجلات.
وفي هذا المنعطف الحاسم، يواجه السودان سؤالًا واضحًا لا يحتمل التأجيل:
هل تكون المرأة شريكًا كاملًا في الدولة الجديدة… أم شاهدةً على فرصة ضاعت من جديد؟



