
محمد تاج الدين الحلو
حين حطّ رئيس المجلس الرئاسي القائد محمد حمدان دقلو رحاله في كمبالا، لم تكن الزيارة مجرد محطة بروتوكولية عابرة، بل بدت كأنها رسالة سياسية مكتوبة بلغة الانتماء إلى القارة، وممهورة بتوقيع العودة إلى العمق الأفريقي الذي ظلّ السودان جزءاً أصيلاً منه جغرافياً وتاريخياً وثقافياً.
تنوع الوفد المرافق لم يكن تفصيلاً شكلياً، بل دلالة مقصودة. حضور قيادات من أقاليم مختلفة، ومشاركة مستويات تنفيذية وسياسية متعددة، يعكس إدراكاً بأن معركة الاستقرار وبناء الدولة لا تُدار من زاوية واحدة، بل من خلال رؤية شاملة تستوعب السياسة والاقتصاد والإنسان. كما أن هذا التنوع يبعث برسالة إلى الأشقاء في أوغندا مفادها أن السودان يأتي موحَّداً بإرادته، متعدداً في تمثيله، حريصاً على بناء شراكات متوازنة لا تُقصي أحداً.
الاتجاه جنوباً وشرقاً نحو أفريقيا ليس مجرد خيار دبلوماسي، بل هو استعادة لبوصلتنا الطبيعية. فالسودان، وهو يمد يده لجيرانه في الإقليم، إنما يعبر عن شعور صادق بالانتماء والمصير المشترك. لقد أثبتت التجارب أن العمق الأفريقي كان دائماً مساحة للتفهم والدعم المتبادل في أوقات الشدة، وأن الحوار بين الأشقاء أكثر قدرة على إنتاج حلول واقعية ومستدامة.
الزيارات المتبادلة في هذا التوقيت الحساس تمثل، في أحد وجوهها، اعترافاً عملياً من قادة تلك الدول بأهمية السودان ودوره، وبشرعية التواصل مع قيادته لبحث مستقبل المنطقة. فأن تُفتح أبواب العواصم، وأن يُستقبل الوفد بهذا المستوى من الاهتمام، فذلك يحمل دلالات سياسية لا تخطئها القراءة المتأنية.
وتأتي زيارة يوغندا ضمن جدول أوسع يشمل عدداً من الدول الأفريقية، في حراك يؤكد أن السودان لا ينكفئ على أزماته، بل يتحرك بثقة نحو محيطه، شارحاً رؤيته، وباحثاً عن شراكات استراتيجية تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
في النهاية، قد تكون السياسة حسابات معقدة، لكنها أيضاً مشاعر وانتماء. والسودان، وهو يعانق عمقه الأفريقي من جديد، يفعل ذلك بقلب مفتوح قبل أن يفعل ذلك بملفاتٍ رسمية. إنها عودة إلى الجذور، وإلى حقيقة أن أفريقيا ليست خياراً تكتيكياً، بل قدرٌ مشترك ومستقبلٌ واحد




