رأي

صراع “المنبر” و”الخلوة”: السودان في مهب الريح بين دعوات التكفير وتجريف التنوع

عماد جدو

 

عماد ابكر جدو 

​في وقتٍ يرزح فيه السودان تحت وطأة ظروف استثنائية فرضتها سنوات الحرب الثلاث الأخيرة، لم يكتفِ المشهد العام بالاضطرابات السياسية والأمنية، بل امتد ليتغلغل في النسيج الاجتماعي والديني، حيث تصاعدت حدة الخطاب الديني لتصل إلى مستويات مقلقة من الاستقطاب.

​مؤخراً، وجد المجتمع السوداني نفسه أمام واقعة أثارت جدلاً واسعاً، حينما تسببت زلة لسان لأحد شيوخ جماعة “أنصار السنة المحمدية” في حالة من الغضب والاستهجان. فقد وصف الشيخ في سياق حديثه القرآن الكريم بعبارة “كله قطيعة” – وهي عبارة حملت دلالات اعتبرها الكثيرون مساساً بقدسية النص – ورغم سارع الشيخ إلى تقديم اعتذار، إلا أن الحادثة لم تكن إلا “رأس جبل الجليد” في أزمة أعمق تتجذر في طبيعة الخطاب الذي تتبناه الجماعة تجاه الصوفية.

​أزمة الخطاب.. من “التكفير” إلى “نبش القبور”

لا ينظر المراقبون إلى هذه الواقعة كحدث معزول، بل كحلقة في سلسلة طويلة من الهجوم الممنهج والتعريض الصريح بجماعة المتصوفة. إذ درج خطاب العديد من رموز “أنصار السنة” على استخدام مفردات صدامية، لا تكتفي بالاختلاف الفقهي، بل تتعداه إلى نعت الصوفية بـ “عبدة القبور” و”الشرك” و”الكفر”، وهو ما يراه المختصون في علم الاجتماع الديني “تغذية ممنهجة لخطاب الكراهية”.

​هذا التصعيد اللفظي لم يبقَ حبيس المنابر والمسجلات، بل تجسد واقعياً في انتهاكات ميدانية تجاوزت كل الخطوط الحمراء، أبرزها نبش أحد الأضرحة لشيخ صوفي عرف في حياته بكونه مربياً ومعلماً للقرآن الكريم. إنَّ انتهاك حرمة الموتى، خاصة لمن نذروا حياتهم لخدمة الدين وتحفيظ القرآن، يمثل تحولاً خطيراً من “الخلاف الفكري” إلى “العدوان المادي” الذي يستهدف الهوية الروحية للسودانيين.

​الصوفية والسلفية.. بونٌ شاسع في المنهج

عند المقارنة بين المدرستين، يظهر الفرق جوهرياً في فلسفة التعامل مع المجتمع. تقوم مدرسة الطرق الصوفية في السودان – التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من الموروث الشعبي – على مبدأ “التعدد والتنوع”. فالطريقة الواحدة تتفرع إلى فروع متعددة، ولا يرى الصوفية في هذا التعدد خلافاً، بل ثراءً واختلافاً في المذاق الروحي، ويجتمعون جميعاً على قواسم مشتركة، أبرزها الاحتفاء بمولد النبي الكريم، كرمز للمحبة والوحدة.

​في المقابل، تتبنى التشكيلات السلفية – وتحديداً في خطها المتشدد – نهجاً إقصائياً يضيق ذرعاً بالتعددية، حيث يسعى هذا الخطاب إلى فرض قالب واحد للدين، ويصنف أي خروج عنه بـ “الابتداع”.

​سياق الحرب وتحدي الاستقرار

يأتي هذا الشقاق في توقيت هو الأكثر حساسية في تاريخ السودان المعاصر. فبينما يحتاج الوطن إلى كل جهود التماسك الاجتماعي، تبدو هذه الجماعات وكأنها تعيد تعريف “العدو” من الجانب السياسي أو العسكري إلى الجانب العقائدي داخل البيت الواحد.

​إنَّ الخطاب الذي يصف الآخر بالكفر ويبيح انتهاك مقدساته، لا يهدد السلم المجتمعي فحسب، بل يفرغ الدين من مقاصده العليا في الرحمة والتسامح. إنَّ السودان اليوم، وهو يقف على مفترق طرق، بحاجة ماسة إلى مراجعة شاملة لخطابات الكراهية هذه، والعودة إلى “الإسلام السوداني” الذي كان دائماً مرادفاً للوسطية، وحاضنةً للجميع بمختلف طرائقهم ومشاربهم.

​يبقى التساؤل الملحّ: هل سيتوقف هذا الانحدار في الخطاب الديني عند حد الاعتذارات الفردية، أم أننا أمام منهجية تتطلب وقفة حازمة من العقلاء والعلماء لترميم ما أفسدته دعوات التكفير، وحماية النسيج الاجتماعي من التآكل قبل فوات الأوان؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!