رأي

تأسيس.. اختبار الفكرة أمام التطبيق 

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

يعيش السودان اليوم لحظة فارقة في تاريخه السياسي، حيث تتقاطع تطلعات بناء الدولة الجديدة مع إرثٍ ثقيل من الصراعات والانقسامات. في خضم هذا المشهد المعقد، برز تحالف السودان التأسيسي كأحد أهم المشاريع السياسية في تاريخ البلاد الحديث، ليس بوصفه تحالفًا تقليديًا بين قوى سياسية ومدنية، بل كمشروع وطني شامل يسعى إلى إعادة تعريف مفهوم الدولة نفسها على أسس العدالة والمواطنة والمساواة.

ما يميز هذا التحالف أنه لم يأتِ كردّ فعل على حدثٍ سياسي آني، بل كنتاجٍ لتفكير عميق في جذور الأزمة السودانية. فقد قدّم وثائق مرجعية شملت الميثاق السياسي، الدستور الانتقالي، والمبادئ فوق الدستورية، وهي وثائق تعد من أكثر المحاولات جدّية في صياغة رؤية متكاملة لإعادة بناء الدولة.

الميثاق أعاد تعريف السلطة على أساس المشاركة الشعبية لا الامتيازات، والدستور أكد على اللامركزية والمساءلة، بينما وضعت المبادئ فوق الدستورية الأساس الأخلاقي لقيام جيش قومي ومؤسسات مهنية مستقلة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو:

هل استطاعت القوى المدنية والسياسية والحركات المسلحة المنضوية تحت هذا التحالف أن تكيّف برامجها السياسية مع هذه الرؤية الجديدة؟

هل تحوّلت الوثائق من نصوصٍ نظرية إلى برامج عمل تلامس حياة الناس؟

التحالف اليوم أمام تحدي الترجمة العملية للفكرة؛ فليس المطلوب كتابة وثائق متقنة الصياغة بقدر ما هو مطلوب تحويلها إلى أدوات للفعل السياسي والإداري والاقتصادي. لأن جوهر التأسيس ليس في النصوص، بل في الإرادة التي تُفعّل النص وتجعله حيًّا في الواقع.

إن نجاح التحالف مرهون بقدرته على تجاوز ذهنية المحاصصة والولاءات الضيقة، وبناء ثقافة مؤسسية جديدة تقوم على الشفافية والمساءلة. كما أن عليه أن يقدّم نموذجًا مختلفًا في إدارة الموارد والسلطة والعلاقة بين المركز والأقاليم، بما يضمن عدالة توزيع الثروة ويعيد الثقة إلى المجتمعات التي ظلت على هامش الدولة لعقود طويلة.

التأسيس الحقيقي هو مشروع وطني جماعي لا ينحصر في نخبةٍ أو تيار.

هو انتقال من ثقافة الشكوى إلى ثقافة البناء، ومن ردود الأفعال إلى الفعل المؤسسي المنظم.

فحين يتحوّل “التحالف” من فكرةٍ في الورق إلى ممارسةٍ حية في الواقع — إلى دولةٍ تُدار بعقلٍ جديد ورؤية جديدة — يمكننا أن نقول بثقة إن السودان قد بدأ فعلاً كتابة فصله الجديد في التاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!