رأي

إضاءات قانونية حول دستور السودان الانتقالي لسنة 2025 وإغفاله تحديد نظام الحكم السياسي

يعقوب التجاني المحامي

 

يعقوب التجاني إبراهيم

المحامي والمستشار القانوني

من أبسط قواعد الصياغة الدستورية ألّا يُترك السؤال الجوهري بلا إجابة: من يحكم الدولة؟ وكيف تُمارس السلطة؟

فالدستور ليس بياناً سياسياً، ولا وثيقة إنشائية تتضمن شعارات عامة، وإنما هو الإطار القانوني الأعلى الذي يحدد طبيعة النظام السياسي، وينظم علاقة السلطات العامة ببعضها البعض، ويرسم حدود الاختصاصات وآليات المساءلة والتوازن المؤسسي.

غير أن دستور السودان الانتقالي لسنة 2025 يثير إشكالاً دستورياً عميقاً، يتمثل في إغفاله ـ بصورة مباشرة أو غير مباشرة ـ تحديد نظام الحكم السياسي، وترك هذا الركن الأساسي معلقاً بين عبارات عامة ومفاهيم إدارية، خاصة في نصي المادتين (4) و(5).

أولاً: غياب التحديد الصريح لنظام الحكم السياسي

عند مراجعة نصوص الدستور، لا نجد تحديداً واضحاً لما إذا كان السودان قد تبنّى نظاماً رئاسياً أو برلمانياً أو مختلطاً (شبه رئاسي). وهذا الغياب لا يُعد مسألة شكلية، بل يمثل فراغاً دستورياً يمس جوهر الشرعية السياسية.

فالدساتير المقارنة تحسم هذا الأمر بوضوح؛ ففي الولايات المتحدة الأمريكية يقوم النظام الرئاسي على أسس محددة، وفي المملكة المتحدة يستقر النظام البرلماني عرفاً وممارسة، وفي فرنسا يتجسد النظام شبه الرئاسي بصورة واضحة المعالم.

أما في الحالة السودانية، فإن النصوص لا تُفصح عن نموذج محدد، ولا تؤسس بديلاً واضحاً يمكن الاحتكام إليه.

ثانياً: المادة (5) واستبدال النظام السياسي بمفهوم إداري

تنص المادة (5)، وعنوانها “نظام الحكم”، على أن:

> “يقوم نظام الحكم في السودان على اللامركزية السياسية والإدارية والمالية والقانونية.”

وهذا النص يكشف عن خلط مفاهيمي واضح؛ إذ إن اللامركزية ليست نظام حكم سياسي، وإنما هي أسلوب لتنظيم توزيع السلطة داخل الدولة بين المركز والأقاليم أو الوحدات المحلية.

أما نظام الحكم السياسي، فهو الذي يحدد شكل السلطة التنفيذية، وعلاقتها بالسلطة التشريعية، ومن يملك حق التعيين والإقالة، ومن يتحمل المسؤولية السياسية أمام الشعب أو البرلمان.

وعليه، فإن النص لا يجيب عن السؤال الدستوري الأساسي، بل يستبدله بسؤال آخر: كيف تُوزع السلطة؟ دون أن يحدد أولاً من يملكها وكيف يمارسها.

ثالثاً: المادة (4) وتعميق الغموض البنيوي

جاءت المادة (4) لتصف الدولة بأنها دولة علمانية، ديمقراطية، لا مركزية، قائمة على المواطنة المتساوية، مع فصل الدين والهويات الثقافية والعرقية والجهوية عن مؤسسات الدولة.

ولا شك أن هذه المبادئ ذات أهمية كبيرة من الناحية القيمية والدستورية، غير أنها تبقى توصيفات معيارية لا تُنشئ بذاتها نظام حكم سياسي.

فالديمقراطية، لكي تكون نظاماً عملياً، يجب أن تُترجم إلى مؤسسات وآليات واضحة، مثل:

من يتولى السلطة التنفيذية؟

ما طبيعة العلاقة بين الحكومة والبرلمان؟

من يملك حق المساءلة أو سحب الثقة؟

ما حدود سلطات رئيس الدولة؟

وهنا يتحدث النص عن المبادئ، لكنه يصمت عن الآليات.

رابعاً: نتائج الغموض الدستوري

هذا الإغفال لا يظل حبيس النظرية، بل يترتب عليه آثار عملية خطيرة، من أبرزها:

1. تضارب الصلاحيات بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة.

2. غموض المسؤولية السياسية.

3. إمكان تعدد التفسيرات المتناقضة للنصوص.

4. غياب مرجعية دستورية حاسمة لحسم النزاعات المؤسسية.

5. تحوّل ميزان القوة، لا حكم القانون، إلى وسيلة الفصل في الخلافات.

وفي الدول الهشة أو الانتقالية، يمثل هذا النوع من الغموض وصفة جاهزة للأزمات السياسية المتكررة.

خامساً: مخالفة التقاليد الدستورية السودانية

حتى في التجربة الدستورية السودانية، رغم ما شابها من اضطرابات، لم يكن هذا الغموض مألوفاً.

فقد عرفت البلاد:

1. دساتير ما بعد الاستقلال التي تبنت النظام البرلماني.

2. دستور 1973 الذي أخذ بالنظام الرئاسي.

3. دستور 2005 الذي اتجه نحو النظام الرئاسي أو شبه الرئاسي.

أي أن التاريخ الدستوري السوداني، رغم تقلباته، لم يخلُ من تحديد فعلي لنظام الحكم، وهو ما يفتقده دستور 2025.

سادساً: دستور يصف الدولة ولا يحدد كيفية حكمها

الإشكال الأعمق أن الدستور الحالي يميل إلى التركيز على الأوصاف القيمية مثل:

الديمقراطية

العلمانية

المواطنة

اللامركزية

دون أن يقابل ذلك تحديد دقيق لبنية السلطة.

فالدستور الذي يكتفي بوصف ما يجب أن تكون عليه الدولة، دون بيان كيف تُدار، ومن يحكمها، وكيف تُمارس السلطة داخلها، يظل وثيقة ناقصة، وقد يتحول إلى مصدر اضطراب بدلاً من أن يكون أداة استقرار.

الخلاصة

إن إغفال تحديد نظام الحكم السياسي في دستور السودان الانتقالي لسنة 2025، خاصة في المادتين (4) و(5)، لا يمثل مجرد نقص في الصياغة، بل خللاً في البنية الدستورية ذاتها.

فالدستور الذي لا يحدد من يحكم، وكيف يحكم، يفتح الباب لصراع على السلطة بدلاً من تنظيمها، ويحوّل النصوص إلى أدوات تأويل متنازع عليها، لا إلى قواعد حاكمة ملزمة.

مقترح للإصلاح الدستوري

ولمعالجة هذا الخلل، يُقترح تعديل المادة (5) لتصبح على النحو الآتي:

يقوم نظام الحكم في السودان على النظام المختلط (شبه الرئاسي)، على أساس الفصل بين السلطات والتوازن بينها، وتُدار الدولة وفق اللامركزية السياسية والإدارية والمالية والقانونية، ويحدد القانون مستوياتها واختصاصاتها.

وبذلك يجمع النص بين وضوح النظام السياسي، وعدالة توزيع السلطة، واستقرار البناء الدستوري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!