رأي

مؤتمر لجنة التفكيك وإعادة تعريف الصراع وبناء دولة ما بعد الحرب 

عماد جدو

 

عماد جدو 

لم يكن مؤتمر لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو، المنعقد في 24 أبريل 2026، مجرد فعالية سياسية عابرة، بل جاء في لحظة مفصلية من تاريخ السودان، حيث تتقاطع الحرب، والأزمة الاقتصادية، وانسداد الأفق السياسي، مع محاولة إعادة تعريف الدولة نفسها.

هذا المؤتمر يفتح بابًا لسؤال أعمق من مجرد “عودة لجنة”:

هل نحن أمام استئناف إداري لآلية قديمة، أم بداية فعلية لمسار تأسيسي يعيد صياغة علاقة السلطة بالمال والسياسة؟

إعادة تعريف الصراع.من مواجهة عسكرية إلى تفكيك بنية

منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023، جرى تقديم الصراع في صور متعددة: صراع عسكري، أو نزاع على السلطة، أو حتى أزمة انتقال سياسي.

لكن القراءة الأعمق تكشف أن جذور الحرب تمتد إلى بنية اقتصادية.سياسية تشكلت منذ عام 1989، حيث تداخلت السلطة مع شبكات مالية وتنظيمية، وأُعيد إنتاجها عبر مؤسسات الدولة.

بهذا المعنى، فإن الحرب ليست فقط مواجهة بين أطراف مسلحة، بل نتيجة مباشرة لفشل تفكيك هذه البنية في الوقت المناسب.

ومن هنا، فإن عودة لجنة التفكيك لا ينبغي أن تُفهم كإجراء قانوني فحسب، بل كجزء من إعادة تعريف الصراع نفسه. وتوحيد رؤية القوي المدنية. للتعريف الصحيح للصراع.القائم الان وحرب 15/ابريل

من صراع على السلطة… إلى صراع على تفكيك منظومة السيطرة على الدولة.

حكومة تأسيس: الإطار السياسي للمساءلة

في مقابل هذا التعقيد، برز تحالف “تأسيس” كأحد المحاولات لإنتاج إطار سياسي بديل، عبر

إقرار دستور انتقالي (2025)

تشكيل سلطة تنفيذية بقيادة رئيس الوزراء المكلف محمد حسن التعايشي

إنشاء سلطة تشريعية ممثلة في مجلس الأقاليم

استكمال البنية العدلية بتعيين رئيس القضاء ونائبه

هذه الخطوات.رغم ما يحيط بها من تحديات—تُشكّل للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، محاولة لبناء مؤسسات قادرة نظريًا على احتضان مشروع المساءلة.

وهنا تتقاطع المسارات:

لجنة التفكيك تحتاج إلى غطاء قانوني ومؤسسي، وحكومة “تأسيس” تحتاج إلى أدوات فعلية لتفكيك الفساد واستعادة الموارد.

من الشرعية الثورية إلى الشرعية القانونية

عملت لجنة التفكيك في مرحلتها الأولى تحت مظلة .الشرعية الثورية المستمدة من الوثيقة الدستورية، وهو ما منحها قوة وسرعة، لكنه عرّضها أيضًا لاتهامات بالتسييس.

اليوم، ومع تعقيدات الحرب وتعدد مراكز السلطة، لم يعد هذا الإطار كافيًا.

المطلوب هو الانتقال إلى شرعية قانونية مكتملة عبر:

سن قانون جديد ينظم عمل اللجنة

إجازته عبر مجلس الأقاليم

تعيين وزير عدل يقود عملية الصياغة القانونية للجنة .

ضبط الإجراءات وفق معايير العدالة والشفافية

هذه الخطوة ليست شكلية، بل تمثل الفارق بين لجنة تُصادر، ولجنة تُحاسب.

استقلالية اللجنة.الشرط الحاسم للنجاح

أحد أكبر التحديات التي واجهت لجنة التفكيك سابقًا كان ارتباطها الفعلي أو المُتصوَّر.بالقوى السياسية.

واليوم، مع عودة اللجنة، يصبح من الضروري إعادة بناء ثقتها العامة.

وفي هذا السياق، يبرز مطلب جوهري .علي قيادة اللجنة الثلاثة الرئيس/محمد الفكي سليمان والدكتور /صلاح مناع. والاستاذ/

وجدي صالح.فك ارتباطهم التنظيمي بأحزابهم السياسية خلال فترة عملهم.

هذه الخطوة لا تعني التخلي عن الانتماء الفكري، بل تهدف إلى

تحصين اللجنة من الضغوط الحزبية

تعزيز استقلاليتها

تحويلها من أداة صراع سياسي إلى مؤسسة عدلية وطنية

فلا يمكن للجنة تُحاسب الجميع أن تُتهم بالانحياز لأي طرف.

البعد الدولي. ما بعد برلين وما بعد التصنيفات

تأتي هذه التطورات في سياق دولي متغير، خاصة بعد تداعيات مؤتمر برلين، وتصاعد الضغوط المرتبطة بملفات الإرهاب والتمويل غير المشروع.

في هذا الإطار، لم يعد تفكيك شبكات الفساد مطلبًا داخليًا فقط، بل شرطًا للاندماج في النظام الدولي.

كما أن أي تصنيفات دولية للتنظيمات المرتبطة بالحركة الإسلامية تضيف بُعدًا جديدًا للصراع، يتجاوز الداخل السوداني إلى فضاء أوسع من الرقابة والتتبع المالي.

وهنا، يصبح استرداد الأموال المنهوبة.خاصة تلك التي تم تحويلها إلى الخارج.ليس فقط مسألة عدالة، بل أداة سياسية واقتصادية لإعادة بناء الدولة.علي

القوى السياسية المدنية الداعمة للتغيير ان تخرج من اطلاق الشعارات إلى الفعل وهي اليوم

أمام اختبارحقيقي و تاريخي.

فبعد سنوات من الخطاب السياسي، لم يعد كافيًا التنديد بالفساد أو المطالبة بالإصلاح.

المطلوب هو

دعم مشروع التفكيك بشكل عملي

المساهمة في بناء الإطار القانوني

القبول بمساءلة شاملة لا تستثني أحدًا

الانتقال من منطق المحاصصة إلى منطق الدولة

فأي تردد في هذه اللحظة قد يُفسَّر كعجز، أو كاستمرار في إعادة إنتاج الأزمة.

استرداد الأموال المعركة الحاسمة

يبقى الهدف المركزي لكل هذه العملية هو استرداد الأموال المنهوبة، خاصة تلك المرتبطة بشبكات النظام السابق، والتي ساهمت—بشكل مباشر أو غير مباشر في تمويل استمرار الصراع.

هذه ليست قضية مالية فقط، بل

قضية سيادة

قضية عدالة

وقضية بقاء دولة

فلا يمكن بناء حكومة سلام دون تفكيك اقتصاد الحرب.

خاتمة: فرصة لا تحتمل الفشل

مؤتمر لجنة التفكيك في 24 أبريل 2026 ليس مجرد محطة سياسية، بل نقطة اختبار حقيقية

هل يستطيع السودان الانتقال من إدارة الصراع إلى تفكيك أسبابه؟

الإجابة لا تكمن في الخطابات، بل في الأفعال

قوانين تُجاز، مؤسسات تُبنى، أموال تُسترد، وعدالة تُمارس.

وإن فشلت هذه المحاولة، فإن الخطر لا يتمثل فقط في عودة الفساد، بل في ترسيخ قناعة أخطر:

أن الدولة السودانية غير قادرة على محاسبة نفسها.

أما إذا نجحت، فقد تكون هذه هي اللحظة التي يبدأ فيها السودان أخيرًا كتابة تاريخه خارج دائرة الحرب والديون والفساد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!