
نجم الدين دريسة
طالعت بيانًا صادرًا عن ما يسمى بـ جبهة وادي هور الديمقراطية، حمل في طيّاته كثيرًا من التناقضات والالتباس السياسي، وجاء في توقيتٍ حساس عقب أحداث كرنوي المأساوية التي راح ضحيتها العشرات من أبناء الزغاوة، وهي جريمة فظيعة كشفت عمق الأزمة الاجتماعية والسياسية التي تعصف بإقليم دارفور.
المؤسف في البيان أنه، بدلًا من تشخيص جذور الأزمة أو تحديد المسؤوليات بوضوح، بدا وكأنه الوجه الآخر لحكومة بورتسودان التي تتحمل مسؤولية إشعال الفتنة بين مكونات المجتمع الدارفوري. فبدل أن يدين الجريمة بوضوح، انصرف إلى لغو سياسي مربك، يساوي بين الضحية والجلاد، ويعيد إنتاج خطاب السلطة التي أشعلت هذه الحرب اللعينة.
إن الإشارة في البيان إلى “حكومة السودان” كمصدر للشرعية هي مفارقة كبرى، لأن هذه الحكومة نفسها هي السبب الأساسي في استمرار الحرب، وهي التي رعت الانقسام وأطلقت العنان لخطاب الكراهية. كما أن محاولة ربط الأحداث بـ”حكومة دارفور بقيادة مني أركو مناوي” تمثل تبرئة ضمنية له، في حين يعلم الجميع أن مني وجبريل هما من زجا بالزغاوة في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
لقد حذّر الدكتور عبدالجبار دوسة منذ وقتٍ مبكر في مقاله الشهير “هذه ليست حرب الزغاوة” من مغبة توريط القبيلة في صراع سياسي تقوده جماعات انتهازية تبحث عن مواقع سلطة على أنقاض مجتمعها. قدّم دوسة حججًا رصينة وأسّس لوعي جمعي يحذر من تحويل الزغاوة من كيان اجتماعي متنوع إلى أداة سياسية في أيدي أمراء الحرب.
وفي السياق نفسه، جاء مقال الدكتور محمد آدم فاشر المعنون “دار الزغاوة تحبس أنفاسها” ليكشف عن مأساة عميقة؛ فالجريمة التي وقعت في كرنوي لم تكن مجرد حادثة قتل، بل كانت جرحًا في نسيج اجتماعي متشابك، لأن الضحايا من عائلات ترتبط بصلات دم ومصاهرة، ما يجعل الجريمة في حقيقتها اعتداءً على الزغاوة كافة.
يشير فاشر بوضوح إلى أن من ارتكبوا الجريمة تحركوا تحت تأثير الإعلام الإسلاموي الذي حاول تصوير أن الزغاوة كتلة واحدة خلف مناوي، بينما الواقع مختلف تمامًا، فالمجتمع الزغاوي متنوع في مواقفه وتوجهاته، ولا يجوز اختزاله في فصيل سياسي أو حركة مسلحة.
أما البيان الأخير لجبهة وادي هور، فقد زاد الصورة ارتباكًا حين طرح ما سماه “مقترح إنشاء كونغرس الزغاوة أو مجلس حكماء الزغاوة”، وهي فكرة تستحق النقاش من حيث المبدأ إن كانت تستهدف دعم الإدارة الأهلية وتقويتها بعيدًا عن التسييس.
لكن الإشكالية تكمن في اللغة التي استخدمها البيان، إذ تحدث عن “كيان الزغاوة” وكأنه إطار سياسي وليس اجتماعيًا، مما يعيد إنتاج الخطأ ذاته الذي حذر منه دوسة وفاشر: تسييس القبيلة وتحويلها إلى أداة صراع، وهو ما لا يخدم استقرار دارفور ولا وحدة الزغاوة أنفسهم.
صحيح أن الإدارة الأهلية تواجه تحديات هائلة بسبب الحرب والتهجير وغياب القيادات التقليدية، لكن الحل لا يكون بإنشاء مجالس فوقية قد تُستغل سياسيًا، بل عبر إصلاح شامل لبنية الإدارة الأهلية وتعزيز استقلالها عن الحكومات والحركات معًا.
إن مأساة كرنوي ليست شأنًا قبليًا، بل مأساة وطنية تكشف إلى أي مدى وصلت الأزمة السودانية في تفكيك المجتمع وتدمير نسيجه. ومن يحاول اليوم توظيف دماء الأبرياء في صراع سياسي، إنما يفتح الباب لمزيد من الفتن.
لقد آن الأوان أن يسمع الجميع نداء العقلاء:
هذه ليست حرب الزغاوة… هذه حرب الطامعين باسم الزغاوة .




