سقوط الأقنعة!عندما يَذهب “المَتَاعِيسُ” إلى مَزْبَلَةِ التَّارِيخِ وَتَنْتَصِرُ الثَّوْرَةُ بِوَعْيِهَا
فاطمة لقاوة

فاطمة لقاوة
في لحظات التحول الكبرى، لا يكون ذهاب المتاعيس للطرف الأخر دائماً خسارة، ولا يكون إلتحاقهم بركب عصابة بورتسودان تراجعاً؛ أحياناً يكون ذلك هو الشرط الضروري لإنكشاف الحقيقة،التي يحاول إخفاءها بعناية فائقة،والتي توضح خُبث النخب المركزية العميقة و المُدجنين من أبناء الهامش الذين يخدمون أسيادهم.
ما يجري اليوم في المشهد السوداني ليس إنقساماً بقدر ما هو عملية فرز تاريخية، تتساقط فيها الأقنعة تباعاً، ويُعاد تعريف الإنتماء لا بالشعارات، بل بالمواقف.
لقد أثبتت التجارب أن أخطر ما يواجه الثورات ليس خصومها المعلنين، بل أولئك الذين يتسللون إلى صفوفها بوجوه مزدوجة،هؤلاء لا يسقطون فجأة، بل ينكشفون تدريجياً، عندما تضيق مساحة المناورة، ويصبح الإصطفاف الأخلاقي أمراً لا يحتمل الرمادية،
عند هذه النقطة تحديداً، يبدأ “تمايز الصفوف” كفعلٍ حاسم، لا كخيار.
ما يسمى اليوم إلتحاقاً بمعسكر بورتسودان لا يمكن قراءته بإعتباره تحولاً سياسياً عادياً؛ بل هو عودة صريحة إلى الجذور الأولى،فالكثير ممن غادروا صفوف الثورة لم يغادروها لأنهم إختلفوا معها، بل لأنهم لم يكونوا جزءاً أصيلاً منها منذ البداية،كانوا يتعاملون مع الثورة كأداة، لا كقضية؛ كوسيلة ضغط، لا كالتزام أخلاقي.
الأزمة الحقيقية في التجدين المُمنهج الذي خلق شخصيات كرتونية لا تفهم معنى النضال ،بل كانت عجوة طرية إستطاع برهان و جهاز إستخباراته تشكليها لتكون أزرعه وسط الثوار لينفذوا جرائم ضد المجتمعات لتشويه صورة حُماة الثورة، ومنحتها القدرة على إرتداء أقنعة متعددة دون مساءلة.
هذه البنية، التي صنعتها نخب المركز لعقود، قامت على تزييف الوعي الجمعي، وإعادة كتابة التاريخ بطريقة تُقصي الفاعلين الحقيقيين، وتُضخم أدواراً هامشية تخدم سرديتها(تزييف حقائق التاريخ حيث أُظهر ود حبوبة بصورة بطل ،بينما أهملوا حركة السلطان عجبنا الثورية).
ما تغيّر اليوم هو أن هذا الإحتكار للرواية لم يعد ممكناً،
فالثورة ،وقد عبرت مراحلها الأولى، لم تعد مجرد رد فعل على الظلم، بل أصبحت وعياً متراكماً قادراً على التمييز بين من ينتمي إليها ومن يتاجر بها،هذا الوعي هو ما يجعل لحظة الإنكشاف الحالية لحظة قوة، لا ضعف.
التحالفات الهشة التي تتشكل اليوم في معسكر بورتسودان، مهما بدت صاخبة إعلامياً، تعكس في جوهرها حالة من الإرتباك لا القوة، فهي تجمع بين أطراف لم يوحدها مشروع وطني حقيقي، بل جمعتها مخاوف مشتركة من خسارة النفوذ،ولهذا فإنها تبدو أقرب إلى تحالفات الضرورة منها إلى تحالفات الرؤية.
تماسك القوى الحقيقية للثورة لا يُقاس بعدد المنضمين، بل بوضوح الهدف ونقاء المسار،فكلما خرج من الصف من لا يؤمن به، أصبح أكثر قدرة على الصمود.
إنها معادلة قد تبدو قاسية، لكنها منطقية في سياق الثورات: القلة الواعية أقوى من الكثرة المتذبذبة.
التاريخ لا يحفظ الضجيج، بل يحفظ المواقف،وقد يُسجل أن هذه اللحظة كانت لحظة إختبار كبرى،إختار فيها البعض الإصطفاف مع سلطة عصابة بورتسودان الباطشة بمجتمعاهم القاتلة للأهالي، بينما إختار آخرون شُرفاء البقاء في صفوف قضية لم تكتمل بعد، لكنها لم تفقد بوصلتها.
ليست القضية من إنتقل إلى أين، بل من بقي ثابتاً حين أصبح الثبات مكلفاً،فالثورات لا تنتصر فقط بإسقاط خصومها، بل أيضاً بقدرتها على تنقية ذاتها من كل ما يشوهها.
ما يحدث اليوم، بكل ما فيه من ضجيج، قد يكون في حقيقته بداية الصمت الذي يسبق وضوح الرؤية،و الطريق نحو إنتصارٍ لا تصنعه الشعارات، بل يحسمه الوعي.




