رأي

كيف وصل السودان إلى ما نحن فيه اليوم؛ الشيوعيون والإخوان والسلفيون (4-4)

صالح السليمي

 

صالح السليمي

الحلقة الرابعة: الطريق إلى الأمام – كيف يستعيد السودان نفسه؟

بعد هذا التشريح القاسي لمسار الانحدار—من دولة واعدة إلى ساحة صراع أيديولوجي، ومن مجتمع متماسك إلى كتل متناحرة—يبرز السؤال الحاسم: هل يمكن للسودان أن ينهض من جديد؟

الإجابة ليست في استدعاء الماضي بحنين أعمى، ولا في الارتهان لأوهام أيديولوجية أثبتت فشلها، بل في بناء مشروع وطني جديد يستفيد من دروس التاريخ، ويتجاوز أخطاءه، ويؤسس لمستقبل مختلف.

فالطريق إلى الأمام ليس شعارًا، بل عملية إعادة تأسيس شاملة، تبدأ من الإنسان، وتمر بالمؤسسات، وتنتهي بإعادة تعريف معنى الدولة نفسها.

أولًا: استعادة روح الدولة – لا استنساخ الماضي بل تطويره

ليس المطلوب إعادة إنتاج نموذج ما بعد الاستقلال كما هو، بل استعادة روحه: روح الخدمة المدنية المهنية، القضاء المستقل، والمؤسسات التي تُدار بالكفاءة لا بالولاء. ويجب أن تُعاد صياغة الدولة على أساس:

• حياد مؤسساتها تجاه الأيديولوجيا

• سيادة القانون دون استثناء

• ربط المسؤولية بالمحاسبة

فالدولة التي لا تحمي نفسها من الاختراق، تُعاد صياغتها كل مرة على مقاس من يسيطر عليها.

ثانيًا: كسر الحلقة الأيديولوجية – تحرير السياسة من العقيدة المغلقة

أثبتت التجربة أن تحويل السياسة إلى ساحة صراع عقائدي يؤدي حتمًا إلى الإقصاء والانقسام.لذلك، فإن أي نهضة حقيقية تبدأ بـ تحرير المجال العام من احتكار التيارات المغلقة.

فالسياسة يجب أن تعود إلى أصلها: إدارة مصالح الناس، لا فرض تصورات شمولية عليهم. والاختلاف يجب أن يُدار بوصفه تنوعًا صحيًا، لا تهديدًا وجوديًا.

ثالثًا: إدارة التنوع – من عبء إلى مصدر قوة

السودان ليس بلدًا متجانسًا، وهذه ليست مشكلة، بل فرصة تاريخية إذا أُديرت بشكل صحيح. المطلوب هو بناء عقد اجتماعي جديد يقوم على:

• الاعتراف المتساوي بكل المكونات

• توزيع عادل للسلطة والثروة

• ضمان الحقوق الثقافية واللغوية

فالتنوع الذي لا يُدار بعدالة، يتحول إلى وقود للصراع؛

أما إذا أُدير بحكمة، فيصبح مصدر ثراء وقوة.

رابعًا: إعادة بناء الإنسان – التعليم كمعركة وجود

لا يمكن بناء دولة حديثة بعقل تقليدي أو وعي مشوه.

لذلك، فإن إصلاح التعليم ليس بندًا ثانويًا، بل هو جوهر المشروع الوطني. ويجب أن يقوم التعليم على:

• التفكير النقدي لا التلقين

• احترام الاختلاف لا إلغاؤه

• ربط المعرفة بسوق العمل والإنتاج

نحن بحاجة إلى جيل يُجيد السؤال، لا يخاف منه؛

جيل يرى في العلم أداة للتحرر، لا تهديدًا للهوية.

خامسًا: تمكين المرأة – استعادة نصف القوة المعطلة

أي مشروع نهضوي يتجاهل المرأة، محكوم عليه بالفشل. تمكين المرأة ليس ترفًا حقوقيًا، بل ضرورة تنموية.ويجب إزالة القيود التي تعيق مشاركتها في التعليم والعمل والحياة العامة،وتغيير الخطاب الذي يُقصيها أو يُختزلها.

فالمجتمع الذي يُعطل نصف طاقته، لا يمكن أن ينافس في عالم متسارع.

سادسًا: بناء اقتصاد الإنتاج – الخروج من عقلية الريع

لا دولة قوية بلا اقتصاد منتج. فالسودان يمتلك موارد هائلة، لكن مشكلته في سوء الإدارة لا قلة الإمكانات.

المطلوب هو:

• التحول من اقتصاد استهلاكي إلى إنتاجي

• دعم الزراعة والصناعة بقيمة مضافة حقيقية

• محاربة الفساد الذي يلتهم الموارد

فالعدالة الاجتماعية لا تتحقق بالشعارات، بل بتوزيع عادل لثمار الإنتاج.

سابعًا: استعادة الدين من قبضة التسييس والتجميد

الدين في السودان كان تاريخيًا عنصر توازن، لا أداة صراع. لكن ما حدث هو اختطافه—إما لتبرير السلطة، أو لتجميد المجتمع.فالمطلوب هو إعادة الاعتبار لجوهر الدين: قيم العمل، العدل، الرحمة، والسعي في الأرض.دين يُحرّك الإنسان نحو البناء، لا يُكبّله بالماضي أو يُستخدم لإقصاء الآخرين.

ثامنًا: الانفتاح على العالم – كسر العزلة المصطنعة

لا يمكن لدولة أن تنهض وهي معزولة عن محيطها.

يجب إعادة دمج السودان في العالم:

• اقتصاديًا عبر الشراكات والاستثمار

• ثقافيًا عبر التبادل والانفتاح

• علميًا عبر الاندماج في منظومة المعرفة العالمية

فالعزلة ليست حماية للهوية، بل وصفة مؤكدة للتخلف.

تاسعًا: إعادة تعريف الوطنية – من الولاء للجماعة إلى الشراكة العامة

أخطر ما أصاب السودان هو اختزال الوطن في جماعة، أو حزب، أو أيديولوجيا.لذلك، فإن إعادة البناء تبدأ من تعريف جديد للوطن: فالوطن ليس شركة خاصة، ولا غنيمة تُقسّم، بل شراكة متساوية بين جميع أبنائه.

الخلاصة: بين الانهيار والإمكان

السودان اليوم يقف على حافة مفترق طرق:

إما أن يستمر في الدوران داخل حلقة الصراع الأيديولوجي، أو أن يجرؤ على كسر هذه الحلقة وبناء مسار جديد.

لقد أثبتت التجربة أن:

• الشيوعية لم تبنِ دولة

• والإخوان لم يحققوا عدالة

• والسلفية لم تُنتج مجتمعًا قادرًا على الحياة في العصري. لكن هذا لا يعني أن السودان محكوم بالفشل، بل يعني أن عليه أن يتعلم—بقسوة—من أخطائه.

إن الطريق إلى الأمام ليس سهلًا، لكنه ممكن.

يبدأ بإرادة صادقة، ويستمر ببناء واعٍ، وينتهي بدولة تستحق اسمها: دولة لكل السودانيين، لا ساحة لصراعهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!