
زينب حسن سعيد
لا يمكن لأي أمة أن تنهض من ركام أزماتها، ولا لمؤسسة أن تتعافى من كبواتها، ما لم تمتلك قيادة تدرك أن “رأس المال البشري” هو خط الدفاع الأول والأخير. وفي خضم مساعي السودان لإعادة بناء هياكله الإدارية والمؤسسية، يبرز النص القرآني {إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا} كدستور قاطع يحدد ملامح القيادة الناجحة: قيادة تقوم على العدالة، والتقدير، والمحاسبة الموضوعية.
ولكن، لكي نصل إلى هذه المرحلة من النقاء المؤسسي، يجب أولاً تفكيك التركة الثقيلة للقيادات المشوهة التي اختطفت مؤسساتنا، ومواجهتها بحقيقتها العارية.
أولاً: وهم القيادة وتدمير الكادر البشري
أسوأ ما ابتليت به بعض مؤسساتنا هو تصدر قادة يعانون من نرجسية إدارية، يرون في الموظف مجرد أداة أو “رقم” في كشوفات الرواتب، وليس عقلاً أو شريكاً في الإنجاز. هذا النوع من القادة لا يحترم الكادر البشري، ويعتقد واهماً أن المنصب يمنحه احتكاراً للحكمة؛ فيُصدر قراراته الفوقية من غرف مغلقة، بمعزل عن الواقع التنفيذي، مما يخلق هوة سحيقة بين الرؤية والتطبيق، ويحيل بيئة العمل إلى مسلخ لطموحات الموظفين وإبداعهم.
ثانياً: “الشللية” كسيف مُسلَّط على الرقاب
إن من أبشع صور الفساد الإداري، والذي يتنافى تماماً مع أي تسلسل استراتيجي للتعافي، هو اعتماد القائد على “مجموعة محددة” تقربه وتزين له عمله. هؤلاء لا يتم اختيارهم لكفاءتهم، بل لولائهم الشخصي المطلق. يقوم هذا القائد بتسليح هذه “الشلة” بصلاحيات غير مستحقة، لتصبح سيفاً مُسلَّطاً على رقاب الصالح والطالح؛ تُقصي الكفاءات الوطنية المخلصة، وتُرقّي المتملقين، وتحول المؤسسة من كيان وطني إلى إقطاعية خاصة ومستنقع لتصفية الحسابات.
ثالثاً: شخصنة القضايا واغتيال المؤسسية
القائد الذي يشخصن الاختلاف المهني هو قائد فاقد للأهلية. عندما يتحول النقد البناء لسياسة العمل إلى معركة شخصية، وعندما تُتخذ القرارات بناءً على “مَن قال” وليس “ماذا قيل”، تنهار النزاهة المؤسسية. في هذه البيئة السامة، يختنق السعي المخلص، ويصبح البقاء للأكثر نفاقاً وليس للأكثر كفاءة، مما يعطل أي مسار حقيقي لإصلاح الدولة.
رابعاً: العدالة المطلقة.. “الشكر للمحسن والمقصلة للمسيء”
الآية الكريمة {وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا} لا تعني التسامح الساذج مع المفسدين، فالإدارة الناجحة تقوم على جناحين: التقدير والحساب.
التقدير والجزاء: لمن يبني، يبتكر، ويسعى بصدق. هؤلاء يجب أن يُرفعوا على الأعناق، وتُصان حقوقهم المادية والمعنوية لتكريس ولائهم للكيان وليس للأشخاص.
المساءلة والعقاب: في المقابل، يجب أن تكون هناك آليات حاسمة لا ترحم المتخاذل، المفسد، أو مَن يستغل موقعه لعرقلة العمل. لا يمكن أن ينجح قانون يُكافئ المجتهد دون أن يُعاقب بشدة مَن يعبث بمقدرات المؤسسة. العدالة تقتضي بتر الأطراف الفاسدة حتى يتعافى الجسد.
خلاصة القول:
إن طريقنا لتغيير واقع الإدارة في السودان يبدأ من هنا: إسقاط القيادات الفوقية، تفكيك مراكز القوى الشللية، إرساء مدونة سلوك لا تستثني أحداً، وتطبيق نظام صارم لا يخلط بين المهني والشخصي. نحتاج إلى قادة ينزلون إلى الميدان، يمتلكون الشجاعة لقول “شكراً” للمحسن، ويمتلكون ذات الشجاعة لضرب يد المفسد والمقصر. حينها فقط، تصبح مؤسساتنا رافعة للنهضة، ويكون سعينا الوطني حقاً.. سعياً مشكوراً.




