الاعتراف الدولي بحكومة تأسيس بين الشرعية الثورية وحق الشعوب في تقرير المصير قراءة قانونية في تحولات الشرعية الدستورية السودانية
يعقوب التجاني المحامي

يعقوب التجاني إبراهيم المحامي والمستشار القانوني
يشهد السودان، منذ إجراءات الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، أزمة دستورية وسياسية عميقة أدت إلى انهيار جزء كبير من بنية الدولة الانتقالية، قبل أن تتفاقم الأوضاع بصورة غير مسبوقة مع اندلاع الحرب الحالية وما صاحبها من انتهاكات جسيمة طالت المدنيين والبنية الإنسانية والمؤسسات العامة.
وفي خضم هذا الانهيار، برز مشروع “تأسيس” بوصفه محاولة لإعادة صياغة الشرعية السياسية والدستورية في السودان، عبر ميثاق تأسيسي ودستور انتقالي لسنة 2025، يطرح نفسه باعتباره مشروعًا انتقاليًا يسعى إلى إنهاء الحرب، وإعادة بناء الدولة السودانية على أسس مدنية وديمقراطية جديدة.
غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه في هذا السياق يتمثل في:
هل يمكن لحكومة تأسيس أن تحظى باعتراف إقليمي ودولي، رغم وجود سلطة الأمر الواقع القائمة في بورتسودان؟
إن الإجابة على هذا السؤال، وفق تطورات القانون الدولي المعاصر، لم تعد ترتبط فقط بمعيار السيطرة العسكرية أو الهيمنة الإدارية، وإنما أصبحت تتصل بصورة متزايدة بمعايير الشرعية السياسية واحترام إرادة الشعوب والالتزام بحقوق الإنسان والقانون الدولي.
أولًا: الاعتراف بالحكومات في القانون الدولي المعاصر
يميز الفقه والقانون الدوليان بين الاعتراف بالدولة والاعتراف بالحكومة؛ فالدولة السودانية، بوصفها شخصًا قانونيًا دوليًا، ما تزال قائمة من الناحية القانونية، بينما ينصب النزاع حول الجهة التي تملك الشرعية لتمثيل هذه الدولة سياسيًا ودبلوماسيًا.
وقد استقر الفقه الدولي التقليدي على عدة معايير للاعتراف بالحكومات، من أبرزها:
1. السيطرة الفعلية على جزء من الإقليم.
2. القدرة على إدارة المؤسسات العامة.
3. احترام الالتزامات الدولية.
4. حماية المدنيين وضمان الحقوق الأساسية.
إلا أن التطور الحديث في القانون الدولي، خاصة بعد الحرب الباردة، أوجد تحولًا نوعيًا في مفهوم الشرعية الدولية، بحيث لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لإنتاج شرعية سياسية كاملة، خصوصًا بالنسبة للسلطات الناتجة عن الانقلابات العسكرية أو الممارسات القمعية الواسعة.
وقد أصبحت الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، والقبول الشعبي، عناصر مؤثرة في بناء الشرعية الدولية والاعتراف الخارجي بالحكومات.
ثانيًا: حق الشعوب في تقرير المصير كأساس لشرعية حكومة تأسيس
يُعد مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها من المبادئ الأساسية الراسخة في القانون الدولي المعاصر، وقد نصت عليه المادة الأولى المشتركة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتي أكدت أن:
> “لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها، وهي بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي.”
ويعني ذلك أن الشعوب تمتلك الحق في اختيار نظامها السياسي وتحديد شكل السلطة التي تحكمها، لا سيما في الحالات التي تتحول فيها السلطة القائمة إلى نظام استبدادي أو غير دستوري يعطل الإرادة الشعبية أو يكرس العنف والانتهاكات.
ومن هذا المنطلق، تسعى حكومة تأسيس إلى تقديم نفسها كمشروع سياسي انتقالي يستند إلى مبدأ تقرير المصير السياسي للشعب السوداني، عبر طرح بديل مدني يهدف إلى إنهاء الحرب وإعادة تأسيس الدولة على قاعدة دستورية جديدة.
ثالثًا: الموقف الأفريقي من الانقلابات والشرعية الدستورية
أكد الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، في المادة (20)، أن لكل الشعوب حقًا أصيلًا وغير قابل للتصرف في تقرير مصيرها واختيار نظامها السياسي.
كما رسّخ الاتحاد الأفريقي، عبر إعلان لومي لسنة 2000 والميثاق الأفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم، مبدأ رفض التغييرات غير الدستورية للحكومات وعدم الاعتراف بالسلطات الناتجة عن الانقلابات العسكرية.
وفي هذا الإطار، جاء تعليق عضوية السودان داخل الاتحاد الأفريقي عقب إجراءات أكتوبر 2021 باعتبارها تغييرًا غير دستوري في السلطة.
وهنا تبرز مفارقة قانونية وسياسية مهمة؛ إذ تواجه السلطة القائمة اتهامات مرتبطة بغياب الشرعية الدستورية واستمرار النزاع والانتهاكات، بينما تحاول حكومة تأسيس تقديم نفسها كمشروع انتقالي يستند إلى ميثاق تأسيسي ودستور انتقالي ورؤية سياسية تدعو إلى بناء مؤسسات مدنية وتحقيق التحول الديمقراطي.
رابعًا: المقارنة القانونية بين حكومة تأسيس وسلطة الأمر الواقع
تستند سلطة الأمر الواقع إلى السيطرة العسكرية والإدارة الواقعية للمؤسسات، بينما تحاول حكومة تأسيس بناء مشروعيتها على عناصر أخرى، أبرزها:
إنهاء الحرب.
حماية المدنيين.
التحول الديمقراطي.
إنشاء مؤسسات انتقالية مدنية.
احترام الحريات العامة وحقوق الإنسان.
وفي القانون الدولي الحديث، أصبحت شرعية الحكومات تقاس بدرجة التزامها بالقانون الدولي والإرادة الشعبية، وليس فقط بقدرتها على فرض السيطرة العسكرية.
وعليه، فإن أي اعتراف مستقبلي بحكومة تأسيس سيظل مرتبطًا بقدرتها على تحقيق جملة من الشروط العملية، أهمها:
1. بناء حاضنة سياسية وشعبية واسعة.
2. إنشاء مؤسسات انتقالية فعالة ومستقرة.
3. الالتزام الصريح بالقانون الدولي وحقوق الإنسان.
4. توفير الحماية للمدنيين.
5. تقديم مشروع وطني واضح يحافظ على وحدة السودان واستقراره.
خامسًا: متطلبات الاعتراف الدولي والإقليمي بحكومة تأسيس
إذا أرادت حكومة تأسيس تعزيز فرص الاعتراف الإقليمي والدولي بها، فإن ذلك يتطلب اتباع مسار قانوني ودبلوماسي واضح، يقوم على عدد من الخطوات الجوهرية، من أبرزها:
1. مراجعة وتطوير الدستور الانتقالي بصورة أكثر وضوحًا، خاصة فيما يتعلق بطبيعة نظام الحكم وصلاحيات المؤسسات الانتقالية.
2. تقديم الميثاق التأسيسي والدستور الانتقالي إلى المجتمعين الإقليمي والدولي باعتبارهما وثيقتين سياسيتين ودستوريتين تعكسان رؤية المرحلة الانتقالية.
3. استكمال بناء مؤسسات الحكم الانتقالي، بما يشمل السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية.
4. إعلان الالتزام الصريح بالمواثيق الدولية والإقليمية المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات العامة.
5. إنشاء آليات مستقلة وشفافة لرصد الانتهاكات وحماية المدنيين ومكافحة الإفلات من العقاب.
6. توسيع المشاركة السياسية والمجتمعية، بما يشمل القوى المدنية والنساء والشباب ومختلف المكونات السودانية، لتأكيد الطابع الوطني الجامع للمشروع السياسي.
7. تطوير مسار دبلوماسي رسمي تجاه الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والمنظمات الإقليمية، يقوم على تقديم رؤية قانونية وسياسية متكاملة حول طبيعة المرحلة الانتقالية وأهدافها.
خاتمة
إن مسألة الاعتراف الدولي بالحكومات لم تعد مسألة ترتبط فقط بالسيطرة العسكرية أو الهيمنة الواقعية على مؤسسات الدولة، بل أصبحت ترتبط بصورة متزايدة بمفاهيم الشرعية الدستورية، واحترام الإرادة الشعبية، والالتزام بالقانون الدولي وحقوق الإنسان.
وفي الحالة السودانية، فإن مستقبل أي مشروع سياسي — بما في ذلك حكومة تأسيس — سيظل مرهونًا بقدرته على تقديم رؤية وطنية جامعة تنهي الحرب، وتحافظ على وحدة السودان، وتؤسس لشرعية مدنية ديمقراطية قادرة على كسب ثقة الشعب السوداني والمجتمعين الإقليمي والدولي.




