
سمية النور دهب ،، دبلن
لم تعد الأزمة السودانية مجرد صراع مسلح على السلطة، ولا يمكن اختزالها في مواجهة عسكرية بين أطراف متنازعة، بل تحولت إلى تعبير واضح عن خلل عميق في بنية الدولة نفسها. فالمشهد الراهن يكشف أن مؤسسات الدولة لم تعد تعمل بوصفها كيانات مهنية مستقلة، بل أصبحت ساحة لتداخل السياسة مع الأيديولوجيا، الأمر الذي أعاد إنتاج الأزمة في شكل أكثر تعقيدًا وخطورة
إن طريقة إدارة الحرب، والخطاب المصاحب لها، وطبيعة العلاقة المتوترة مع القوى المدنية، كلها تعكس أن الصراع لم يعد يُدار بمنطق الدولة، بل بمنطق الاصطفاف السياسي الحاد. هذا التحول أضعف فرص الوصول إلى تسوية عادلة، لأن الصراع لم يعد يدور حول توازنات سياسية قابلة للتفاوض، بل حول تصورات متباينة لطبيعة الدولة نفسها.
في هذا السياق، برزت إشكالية العلاقة بين المؤسسة العسكرية والتيارات السياسية ذات الخلفيات الأيديولوجية. فحين تتداخل الأدوار بين العمل العسكري والعمل السياسي، تفقد المؤسسات قدرتها على أداء وظائفها الأساسية، ويتراجع مبدأ الحياد الذي يُفترض أن يميز الأجهزة النظامية. هذه الحالة تفتح الباب أمام إعادة إنتاج أنماط الحكم التي تقوم على الولاء والانتماء، بدلًا من الكفاءة والمهنية.
لقد أفرزت الحرب واقعًا جديدًا، أتاح لبعض القوى السياسية إعادة تموضعها داخل المشهد، مستفيدة من غياب التوازن المدني وتراجع الفضاء العام. وفي المقابل، وجدت المؤسسة العسكرية نفسها أمام تحديات داخلية وخارجية دفعتها للبحث عن حلفاء سياسيين، ما أدى إلى مزيد من التشابك بين السلاح والسياسة. هذا التشابك لا يمكن اعتباره حالة عابرة، بل هو أحد مظاهر الأزمة البنيوية التي تعيق أي انتقال ديمقراطي حقيقي.
وتكمن خطورة هذا الوضع في أن استمرار هذا التداخل يقوّض فرص بناء دولة تقوم على المؤسسات. فعندما تتحول الأجهزة النظامية إلى طرف في المعادلة السياسية، يصبح من الصعب تحقيق مبدأ المساءلة، كما تتراجع فرص بناء عقد اجتماعي جديد يقوم على التوافق والعدالة
الأكثر تعقيدًا هو استمرار الخطاب الرسمي في التأكيد على حياد المؤسسة العسكرية، رغم المؤشرات التي تعكس واقعًا مختلفًا. هذا التناقض بين الخطاب والممارسة يضعف الثقة العامة، ويجعل أي دعوات للإصلاح أو التسوية محل شك من قبل قطاعات واسعة من المجتمع.
إن الخروج من الأزمة السودانية لا يمكن أن يتم عبر حلول جزئية أو اتفاقات مؤقتة، بل يتطلب معالجة جذرية لطبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسياسة. فبناء دولة مستقرة يمر أولًا عبر إعادة تعريف دور المؤسسات، وضمان استقلالها، وإخضاعها لإرادة مدنية تعبر عن تطلعات المواطنين.
في النهاية، تظل الأزمة السودانية في جوهرها أزمة دولة تبحث عن توازنها المفقود. ومن دون معالجة هذا الخلل البنيوي، سيبقى الصراع مفتوحًا، وستظل فرص السلام والاستقرار رهينة لإرادة لم تتشكل بعد بشكل كامل.



