
نجوى بابو
في زمن النزاعات، لا ينهار الإنسان دفعة واحدة. لا يحدث الانكسار بصوتٍ واضح أو مشهدٍ مباشر، بل يتسرّب بهدوء إلى الداخل، حتى يصبح جزءًا من طريقة العيش نفسها. ما يبدو صمودًا من الخارج قد يكون في العمق شكلًا من الاستنزاف المستمر، حيث لا يتوقف الجسد عن العمل، لكن النفس تفقد قدرتها على الاحتمال.
الإرهاق النفسي هنا ليس حالة عابرة، بل نتيجة حياة تُعاش تحت ضغط الخطر الدائم، حيث لا يعود الأمان فكرة ممكنة، ولا يصبح الغد قابلًا للتخيل بثبات. في هذا الفراغ بين الخوف والاستمرار، يبدأ شيء أعمق من التعب: تفكك المعنى نفسه.
يتراكم الإرهاق النفسي ببطء، نتيجة التعرض المستمر للخوف وانعدام اليقين. ومع الوقت، لا يعود القلق استجابة ظرفية، بل حالة دائمة تلازم الإيقاع اليومي للحياة.
في سياقات النزاع، لا تُقاس الخسائر بما يُدمَّر خارجيًا فقط، بل بما يتغير في الداخل الإنساني بصمت. هناك، حيث لا تُرى الجروح، يبدأ الاستنزاف الحقيقي: في طريقة التفكير، والانتباه، والعلاقة مع الذات والعالم.
يبقى الجهاز العصبي في حالة تأهّب مستمر، كما لو أن الخطر لم يتوقف. هذا الاستنفار الدائم يستنزف الطاقة ويخلّ بتوازن الجسد، فتظهر أعراض متتابعة: اضطرابات في النوم، تعب مزمن، تشتت ذهني، وارتفاع مستمر في التوتر. ومع غياب فترات التعافي، تتحول هذه الأعراض إلى نمط حياة ثقيل.
لكن الإرهاق لا يتوقف عند حدود الجسد. في العمق، هو أيضًا أزمة معنى. حين ينهار الإحساس بالأمان وتتآكل القدرة على التوقع، يجد الإنسان نفسه أمام أسئلة وجودية حادة: كيف يمكن الاستمرار في واقع غير قابل للفهم أو التنبؤ؟ وما الذي يمنح الحياة قيمتها حين تصبح مهددة في كل لحظة؟
هذا الانقطاع بين التجربة والمعنى يجعل الإرهاق أكثر تعقيدًا. فالعقل لا ينهك فقط من شدة الضغط، بل من عجزه عن بناء سردية متماسكة لما يحدث، فيتحول القلق من رد فعل إلى حالة وجودية ممتدة.
ومع ذلك، لا يحدث الصمود من خلال إزالة الألم، بل عبر إعادة تشكيل العلاقة معه. فالمعنى، حتى حين يكون محدودًا أو مؤقتًا، يمكن أن يصبح نقطة ارتكاز: في فعل رعاية، أو التزام يومي بسيط، أو لحظة هدوء وسط الفوضى.
عمليًا، تبدأ المواجهة من تفاصيل صغيرة: تنظيم النوم، تقليل التعرّض المستمر للأخبار، حماية الجسد من الاستنزاف، ومنح المشاعر مساحة للتعبير بدل كبتها. فالكتابة أو الكلام ليسا ترفًا، بل وسيلة لتخفيف التراكم الداخلي.
ولا يمكن إغفال أن الإنسان لا يواجه هذا الثقل وحده. فالعزلة في سياق الخوف تضاعف الإرهاق، بينما يشكّل التضامن الإنساني في أبسط صوره مساحة لإعادة التوازن، واستعادة الإحساس بالانتماء.
وعلى مستوى أوسع، لم يعد إدماج الصحة النفسية في الاستجابة للنزاعات خيارًا ثانويًا، بل ضرورة أساسية، لأن الأثر لا ينتهي بانتهاء العنف، بل يستمر في الداخل طويلًا بعده.
في النهاية، لا يُقاس الإرهاق النفسي فقط بما يسلبه من الإنسان، بل بما يكشفه عنه: هشاشته، قدرته على الاحتمال، وحدود قوته. وبين الانكسار وإعادة التماسك، يبقى فعل الاستمرار رغم ثقله شكلًا خفيًا من أشكال البقاء.




