سلسلة كشف المستور (14) ملف العدالة “ميزان الجزار” عدالة “اللون الواحد”: لماذا يشبه القضاة في السودان بعضهم البعض؟
مجدي محمد مصطفى ماكن

مجدي محمد مصطفى ماكن
ادخل إلى أي محكمة عليا في الخرطوم، وتأمل وجوه القضاة الجالسين على المنصة.
ستلاحظ شيئاً غريباً ومريباً: إنهم يشبهون بعضهم البعض.
نفس السحنة، نفس اللهجة (الأمدرمانية/النيلية)، نفس الخلفية الاجتماعية، وغالباً نفس الألقاب العائلية.
في بلد يتسم بتنوع مذهل مثل السودان، حيث السواد والبياض والسمرة، وحيث مئات القبائل واللكنات.. كيف يعقل أن تكون “السلطة القضائية” بلون واحد؟
الإجابة صادمة: القضاء في دولة 56 ليس مؤسسة عامة، بل هو “نادي مغلق” (Closed Club).
نادي صُممت شروط عضويته بعناية لإبعاد “الغرباء” (أبناء الهامش)، ولضمان أن يبقى “الجلاد” هو نفسه “القاضي”.
1. “كلية القانون” جامعة الخرطوم: بوابة المعبد
لعقود طويلة، كانت كلية القانون بجامعة الخرطوم هي “المصنع” الوحيد الذي يعترف به هذا النادي.
لم تكن مجرد كلية، بل كانت “مصفاة” اجتماعية.
طلاب الهامش الذين يتفوقون ويحاولون الدخول، يجدون أمامهم حواجز ثقافية واجتماعية.
وحتى من ينجح منهم ويتخرج، يجد نفسه محاصراً بـ “شلة” أبناء القضاة وأبناء المسؤولين الذين يحتكرون التعيينات.
لقد خلقوا وهماً يقول إن “خريج الخرطوم” هو الوحيد المؤهل للجلوس على القضاء، بينما خريجو الجامعات الأخرى (خاصة الإقليمية أو خريجي مصر) هم “درجة ثانية”. هذا التصنيف الطبقي كان الخطوة الأولى للعزل.
2. خدعة “المعاينة الشخصية”: هنا يسقط “الغرابي”
كيف يتم استبعاد المتفوقين من أبناء الهامش رغم درجاتهم العالية؟
الحيلة تكمن في “المعاينة” (Interview).
في الامتحانات التحريرية، قد يتفوق ابن الجنينة أو كادوقلي بجهده وذكائه.
لكن عندما يصل لمرحلة المقابلة الشخصية، يواجه لجنة من “الأفندية” الكبار.
هنا لا يُسأل عن القانون، بل يتم تقييمه بناءً على “المظهر العام” و”السمت” (اللياقة الاجتماعية).
إذا كانت لكنته “قوية” وتشي بأصوله.. يُرفض.
إذا كان مظهره بسيطاً لا يشبه “أولاد العمارات”.. يُرفض.
الذريعة الجاهزة دائماً: “يفتقر للشخصية القضائية”.
والحقيقة هي أنه “يفتقر للون واللسان المقبول لديهم”.
يريدون قاضياً “ناعماً” يشبههم، لا قاضياً حقيقياً يشبه الشعب.
3. “توريث” المطرقة. القضاء كشركة عائلية
انظروا لقوائم كشوفات القضاة والمستشارين بوزارة العدل.
ستجد أن الألقاب تتكرر. ابن القاضي يصبح قاضياً، وابن رئيس المحكمة يصبح وكيلاً للنيابة.
لقد تحول القضاء إلى “إرث عائلي”.
هذا التوريث يضمن “الولاء”.
القاضي الذي ورث وظيفته عن أبيه (الذي ورثها عن جده الذي خدم الإنجليز)، لن يتمرد أبداً على النظام. هو جزء من “السيستم”.
لذلك، نادراً ما تجد حكماً قضائياً ينتصر لضحايا الهامش ضد الدولة.. لأن القاضي هو “ابن الدولة” البار.
4. الحاجز النفسي: عندما يحكم “السيد” على “الضحية“
الكارثة الحقيقية لهذا “النادي المغلق” تظهر في قاعات المحاكم.
تخيل متهماً من النازحين، شردته الحرب، لا يملك أوراقاً ثبوتية، واضطر للعمل الهامشي أو الدفاع عن نفسه.
يقف هذا المتهم أمام قاضٍ نشأ في “الخرطوم 2″، درس في مدارس خاصة، ولم يزر الهامش في حياته إلا ربما في رحلة صيد.
هناك “فجوة ثقافية” (Cultural Gap) هائلة.
القاضي لا يفهم ظروف المتهم، ولا يفهم بيئته، ولا دوافعه.
يراه بعين “الاستعلاء الطبقي”: مجرد “مجرم” أو “همجي” يهدد أمن المدينة.
لذلك تأتي الأحكام قاسية، انتقامية، ومجحفة.
العدالة تتطلب “تفهماً”، ولا يمكن لـ “الأفندي” المترف أن يتفهم “النازح” المسحوق.
5. الخلاصة. لا عدالة بلا تمثيل
العدالة ليست مجرد نصوص، العدالة هي “شخوص”.
طالما أن السلطة القضائية محتكرة لفئة اجتماعية وعرقية واحدة، فلا تنتظروا عدلاً.
لا يعقل أن يكون 90% من السجناء من الهامش، و90% من القضاة من المركز!
هذه معادلة “احتلال”، وليست معادلة مواطنة.
في مشروع التأسيس الجديد، يجب “تفكيك نادي القضاة المغلق”.
يجب أن تعكس منصة القضاء تنوع السودان.
يجب أن نرى القاضي الذي يتحدث بلهجة الغرب، والقاضي الذي يرتدي سحنة الشرق.
يجب إلغاء “معاينات الإقصاء” واعتماد الكفاءة فقط.
حتى ذلك الحين.. تذكروا أن التمثال الذي يحمل الميزان في محاكمنا ليس “أعمى” كما تدعي الأسطورة، بل هو يغمز بعين واحدة لأقاربه، ويدوس بالقدم الأخرى على رقابنا.
#الأبارتهايد_المنقب
#ميزان_الجزار
#نادي_القضاة_المغلق
#عدالة_اللون_الواحد
المقال القادم سيكون دموياً. سنتناول قوانين سبتمبر والعدالة الجنائية. كيف استخدم النميري والإسلاميون “الشريعة” كسوط لجلد الفقراء وقطع أيديهم بسبب سرقة رغيف، بينما الفاسدون الكبار يسرقون البنوك ويتحللون فقهياً.
جريمة اغتيال الأستاذ محمود محمد طه كدليل على أن القضاء هو “مقصلة سياسية”.




