
إيمان التجاني
ما لا يُهزم في العلن، يعود عبر الظل
في توقيت بالغ الحساسية من تاريخ السودان، يبرز قرار إعادة مقر رئاسة منظمة الدعوة الإسلامية إلى الخرطوم كحدث يتجاوز دلالاته الإدارية والتنظيمية، ليطرح أسئلة سياسية عميقة حول طبيعة المرحلة واتجاهاتها. فالأمر لا يتعلق فقط بعودة مؤسسة دعوية إلى مركز نشاطها، بل بما قد يحمله ذلك من رسائل ضمنية تتصل بإعادة ترتيب النفوذ داخل البلاد.
الاجتماع الطارئ لمجلس أمناء المنظمة، الذي أسفر عن إعفاء رئيسه السابق الشيخ عبد الرحمن آل محمود، وتعيين السفير القطري الأسبق علي الحمادي رئيساً جديداً، يعكس—في ظاهره—محاولة لإعادة هيكلة المؤسسة وتعزيز دورها في المجالين الدعوي والإنساني. غير أن قراءة أعمق للسياق تكشف أن هذه الخطوة لا يمكن فصلها عن تعقيدات المشهد السوداني، ولا عن شبكة التوازنات الإقليمية التي باتت تؤثر في تفاصيله.
إن عودة مقر المنظمة إلى الخرطوم، بعد فترة من الابتعاد، تُقدَّم بوصفها مؤشراً على استعادة الحضور الميداني ومواكبة متطلبات العمل الإنساني في ظل الأوضاع الراهنة. لكن هذه العودة تثير في المقابل تساؤلات مشروعة حول طبيعة هذا الحضور، وحدود دوره، والجهات التي تقف خلفه أو تدعمه.
ففي بلد أنهكته الصراعات، وأثقلت كاهله تجارب التمكين الحزبي، يصبح من حق الرأي العام أن يتساءل: هل نحن أمام نشاط دعوي وإنساني خالص، أم أمام إعادة إنتاج لأدوار قديمة بأدوات جديدة؟ وهل يمكن الفصل فعلاً بين العمل الخيري وبين الأجندات السياسية في سياق معقد كالذي يعيشه السودان اليوم؟
تعيين شخصية دبلوماسية بارزة مثل علي الحمادي يضيف بعداً آخر لهذه التساؤلات، إذ يفتح الباب أمام قراءة تتجاوز الإطار المؤسسي إلى البعد الإقليمي، خاصة في ظل تزايد الحديث عن تداخل الأدوار الخارجية في الشأن السوداني. وفي مثل هذه الحالات، لا تكون الرمزية منفصلة عن الواقع، بل جزءاً من معادلة النفوذ وإعادة التموضع.
الأخطر من ذلك، أن هذه الخطوة قد تُفهم—في نظر كثيرين—كمؤشر على أن بعض التيارات المرتبطة بالإسلام السياسي لا تزال تجد طريقها إلى المشهد، سواء عبر قنوات مباشرة أو عبر واجهات مؤسسية. وهو أمر يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة، أثبتت أن الخلط بين الدعوي والسياسي كان أحد أسباب تعقيد الأزمة، لا حلها.
إن السماح بعودة مثل هذه الكيانات إلى العمل من داخل الخرطوم، دون وضوح كافٍ في طبيعة نشاطها وحدودها، قد يُفسَّر باعتباره تراجعاً عن مسار كان يفترض أن يقوم على تفكيك بنى النفوذ القديمة، لا إعادة تدويرها. كما أنه يضع الجهات الرسمية أمام مسؤولية مضاعفة لتقديم إجابات واضحة للرأي العام، وضمان ألا تتحول الساحة السودانية مجدداً إلى مجال مفتوح لتجاذبات أيديولوجية وإقليمية.
السودان اليوم في حاجة إلى وضوح لا لبس فيه، وإلى قطيعة حقيقية مع كل ما أسهم في تعميق أزمته. أما العودة إلى مسارات ملتبسة، مهما كانت مبرراتها، فإنها لا تعني سوى إطالة أمد الأزمة، وتأجيل استحقاقات الحل.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم:
الدول لا تُبنى بإعادة تدوير الواجهات، بل بمواجهة جذور الأزمات بشجاعة وشفافية.




