تقارير وتحقيقات

أكثر من ربع مليون طالب خارج قاعات الامتحان… كيف كشفت مبادرة الشهادة السودانية مشروع الانقسام، وعرّت سلطة بورتسودان كأحد أخطر عوامل تفكيك الدولة؟

التنوير تقرير القسم السياسي 

 

التنوير تقرير القسم السياسي 

 امتحان ضائع… ووطن على حافة الانقسام

في مشهد يلخّص مأساة السودان الراهنة، تحوّل ملف امتحانات الشهادة السودانية من استحقاق تعليمي سنوي إلى ساحة صراع سياسي مكشوف، بعد أن كشفت المبادرة الوطنية الطارئة لدعم امتحانات الشهادة السودانية عن تعثّر جهودها، التي استمرت ثلاثة أشهر، لتوحيد الامتحانات وتمكين الطلاب من الجلوس لها في مختلف مناطق البلاد.

النتيجة الصادمة: أكثر من 280 ألف طالب وطالبة خارج قاعات الامتحان، بعضهم للعام الثالث على التوالي، في مؤشر خطير على انهيار أحد أهم رموز الدولة الوطنية، وتحوله إلى أداة صراع وتكريس للانقسام.

ثلاثة أشهر من الاتصالات… وجداران من الصمت والرفض

بحسب ما أعلنه مدير مشروع الفكر الديمقراطي، د. شمس ضو البيت، فإن المبادرة خاضت جهوداً مكثفة منذ فبراير الماضي، شملت مراسلات رسمية مع أعلى مستويات السلطة في بورتسودان، من مجلس السيادة إلى رئيس الوزراء وعدد من الوزراء، إضافة إلى شخصيات نافذة.

لكن، وعلى الرغم من تضمين كافة الشروط والتعديلات المطلوبة، اصطدمت هذه الجهود بما وصفه بـ”جدارين من الصمت أو الرفض السياسي”، ما يكشف أن الأزمة لم تكن فنية أو إجرائية، بل سياسية بامتياز.

هذا الرفض، وفق المبادرة، لم يكن مجرد موقف إداري، بل يعكس توجهاً أعمق يتجاوز التعليم إلى إعادة تشكيل الخريطة الاجتماعية والسياسية للسودان.

 قبول مشروط من “تأسيس”… واستعداد لتجميد الامتحانات

في المقابل، جاءت استجابة سلطات تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) مغايرة تماماً، حيث أبدت استعداداً واضحاً للتعاون، بل وأعلنت قبولها تجميد الامتحانات الموازية المزمع تنظيمها في يونيو 2026، شريطة التوصل إلى اتفاق مشترك مع سلطات بورتسودان.

وشملت الاتصالات عضوية المجلس الرئاسي لتحالف “تأسيس”، ورئيس الوزراء محمد حسن عثمان التعايشي، وعدداً من الوزراء المعنيين، إضافة إلى حاكم إقليم دارفور.

هذا الموقف، بحسب المبادرة، يعكس رؤية مختلفة تعتبر التعليم حقاً إنسانياً غير قابل للتسييس، وتسعى إلى الحفاظ على وحدة النظام التعليمي كمدخل للحفاظ على وحدة الدولة نفسها

 أرقام تكشف حجم الكارثة… والتعليم ينهار بصمت

الأرقام التي أوردتها المبادرة تكشف عمق الكارثة:

نحو 280 ألف طالب لم يتمكنوا من الجلوس للامتحان

أكثر من 60–65% منهم من الطالبات

قبل الحرب: حوالي 750 ألف طالب يجلسون سنوياً

ديسمبر 2024: جلس فقط 200 ألف في مناطق سيطرة الجيش

أكثر من 370 ألف طالب حُرموا منذ اندلاع الحرب

التوقعات تشير إلى وصول العدد إلى 400 ألف طالب

في دارفور وحدها، يتراوح عدد الجالسين سنوياً بين 150 إلى 200 ألف، بينما يبلغ العدد في كردفان والنيل الأزرق نحو 80 ألفاً.

هذه الأرقام لا تعكس مجرد أزمة تعليمية، بل تشير إلى جيل كامل مهدد بالخروج من النظام التعليمي، والانزلاق نحو الهامش أو دوائر النزاع.

 اتهامات مباشرة: سلطة بورتسودان تقود مشروع التفكيك

التقرير لم يكتف بعرض الوقائع، بل ذهب إلى تحميل المسؤولية السياسية الكاملة للسلطات في بورتسودان، معتبراً أن رفض المبادرة يعكس توجهاً قائماً على:

تصنيف مناطق دارفور وكردفان والنيل الأزرق كـ”حواضن” لخصوم سياسيين

حرمان سكان هذه المناطق من حقوقهم الأساسية، وعلى رأسها التعليم

استخدام أدوات الدولة لتعميق الانقسام الاجتماعي والجهوي

وبهذا المعنى، لم يعد الأمر مجرد إخفاق إداري، بل تحول إلى سياسة ممنهجة تكرّس التمييز وتعيد إنتاج التشظي الوطني.

 من العملة إلى التعليم… سلسلة قرارات تعمّق الانقسام

يرى مراقبون أن ملف الامتحانات ليس معزولاً، بل يأتي ضمن سلسلة سياسات اتُّهمت بها سلطة بورتسودان، شملت:

تبديل العملة بشكل جزئي وحرمان ملايين المواطنين من مدخراتهم

تقييد الحصول على الأوراق الثبوتية

تطبيق سياسات محلية ذات طابع إثني وجهوي

إضعاف الوصول إلى الخدمات الأساسية

هذه السياسات، وفق التقرير، ساهمت في خلق واقع مزدوج للدولة، حيث تتباين الحقوق والخدمات حسب الجغرافيا والانتماء، وهو ما يمثل تهديداً مباشراً لفكرة المواطنة نفسها.

المبادرة تفضح النوايا… وتحالف “تأسيس” يطرح بديلاً

في هذا السياق، اعتُبرت المبادرة الوطنية بمثابة اختبار حقيقي للنوايا السياسية، حيث كشفت بوضوح الفارق بين مشروعين:

مشروع سلطة بورتسودان، الذي يُتهم بالسعي لتكريس الانقسام

مشروع تحالف السودان التأسيسي، الذي يطرح رؤية بديلة تقوم على وحدة البلاد ومعالجة جذور الأزمة

وقد جاء تأسيس “حكومة السلام والوحدة” كإحدى الأدوات التي اعتمدها التحالف لمواجهة ما وصفه بمخطط التفتيت، عبر برنامج متكامل يشمل:

فتح الممرات الإنسانية دون قيود

ضمان وصول الخدمات الأساسية

استعادة الحقوق الدستورية للمواطنين

بناء مؤسسات دولة جديدة على أسس عادلة

إنهاء تعدد الجيوش وتأسيس جيش موحد

 التعليم كخط تماس… من رمز للوحدة إلى أداة صراع

لطالما كانت الشهادة السودانية رمزاً للوحدة الوطنية، حيث يجلس لها الطلاب في كل أنحاء البلاد وفق معايير موحدة.

لكن ما يحدث اليوم، وفق المبادرة، ينذر بتحويلها إلى أداة للتمييز، وهو ما وصفته الصحفية مديحة عبد الله بأنه “خطر وجودي يهدد النسيج الاجتماعي”.

فحين يُحرم مئات الآلاف من الطلاب من حقهم في التعليم بسبب مواقعهم الجغرافية، فإن الدولة لا تفقد فقط نظامها التعليمي، بل تفقد أحد أهم أعمدة تماسكها.

نحو هدنة تعليمية… أم انزلاق كامل نحو التشظي؟

دعت المبادرة إلى إدراج ملف التعليم ضمن أولويات أي عملية سلام، والعمل على فرض هدنة إنسانية تتيح إجراء امتحانات موحدة في بيئة آمنة.

كما طالبت بتدخل المنظمات الدولية والإقليمية لضمان حق الطلاب في التعليم، باعتباره حقاً أساسياً لا يجوز إخضاعه للتجاذبات السياسية.

غير أن السؤال الأكبر يبقى:

هل ما زال بالإمكان إنقاذ ما تبقى من النظام التعليمي، أم أن السودان يتجه نحو واقع تقسيمي تصبح فيه حتى الامتحانات مرآة للانقسام؟

معركة التعليم تكشف معركة الدولة

ما كشفته هذه الأزمة يتجاوز حدود التعليم، ليصل إلى جوهر الصراع في السودان:

صراع بين مشروع يسعى للحفاظ على وحدة البلاد عبر العدالة والمواطنة، وآخر يُتهم بإعادة إنتاج الانقسام عبر سياسات الإقصاء والتصنيف.

وبينما يقف مئات الآلاف من الطلاب خارج قاعات الامتحان، يقف السودان نفسه أمام امتحان أكبر:

إما أن ينتصر لفكرة الدولة الجامعة، أو ينزلق أكثر في مهاوي التشظي والتقسيم.

وفي قلب هذا المشهد، تبدو الحقيقة الأكثر قسوة:

أن جيلًا كاملاً يُدفع اليوم خارج مقاعد الدراسة… ليكون وقوداً لصراعات الغد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!