رأي

بنادق وبيادق في رقعة الشطرنج

منال علي محمود

 

منال علي محمود

manal002002@gmail.com

هل استوعبت الحركات المسلحة ما يجري حولها؟

غرب السودان مع النيل الأزرق وجبال النوبة يمثل كتلة سكانية ضخمة كان يمكن في حال استقرارها أن تعيد تشكيل ميزان السلطة في البلاد، لا أن تتحول إلى طرف يُعاد تدويره داخل ترتيبات الآخرين.

لكن ما حدث على الأرض اتجه في مسار مختلف. نزوح واسع، لجوء خارج الحدود، واقتتال داخلي ممتد. والنتيجة لم تكن مجرد حرب بل تفكيك متواصل للكتلة التي تمنح أي فاعل سياسي وزنه الحقيقي.

في هذا السياق يصبح السؤال أكثر مباشرة

ما المبرر لها أصلاً

الإجابة الواقعية لا تشير إلى مكاسب استراتيجية بقدر ما تكشف حصيلة محدودة ومكلفة. خسائر بشرية متراكمة، ومواقع سياسية تُنتزع داخل هوامش ضيقة لا تملك الحركات السيطرة على قواعدها فيها، وتحالفات مؤقتة تُعاد صياغتها مع كل تغير في ميزان القوة.

حتى ما يُقدَّم كمكاسب سياسية لا يتجاوز كونه إدارة داخل نظام قائم لا قدرة على تغييره. مواقع تُمنح بشروط غير متكافئة وتُستخدم لتسكين الأزمة لا لتفكيكها.

وهنا تتضح المعادلة بشكل أكثر حدة

إذا كانت الحركات لا تُعيد تشكيل الدولة ولا تحمي القاعدة التي تنتمي إليها ولا تمتلك قرارها السياسي المستقل فما الذي تبقى من وظيفتها خارج إعادة إنتاج الوضع نفسه

التحول الجذري كان يفترض أن يحدث في نقطة واحدة الخروج من منطق الحركة المسلحة إلى منطق الفاعل السياسي المؤسس القادر على إعادة تعريف الدولة أو إعادة صياغة موقعه داخلها خارج منطق السلاح

لكن ما حدث لم يكن تحولاً بقدر ما كان ترسيخاً لبنية داخلية مغلقة تُدار فيها القرارات من الأعلى بصورة أحادية بينما تُترك القاعدة في موقع التلقي لا المشاركة. ومع الوقت لم تعد هذه الحركات كتلاً سياسية متماسكة بل مراكز نفوذ متداخلة تتقاطع فيها الولاءات أكثر مما تتقاطع فيها الرؤى.

في هذا التكوين لم يعد المشروع هو ما يوجّه القرار بل أصبح القرار هو ما يعيد تعريف المشروع. وتحت هذا الانقلاب الصامت تباينت المسارات داخل القيادة نفسها: اتجاه ينظر إلى الفعل السياسي كامتداد لأفق أيديولوجي يتجاوز حدود الإقليم، واتجاه آخر يتموضع داخل المركز السياسي باعتباره مساحة نفوذ ومكاسب.

ورغم هذا التباين يلتقي الاتجاهان في نقطة واحدة: تحويل الفعل السياسي إلى رصيد يُقاس بما يتيحه من نفوذ ومناصب لا بما ينتجه من مشروع لصالح القاعدة الاجتماعية التي نشأ منها. وهكذا تتراجع القضية الأصلية تدريجياً لصالح شبكة مصالح أكثر حضوراً من الفكرة نفسها.

ومع اتساع هذه الفجوة لم تعد الحركات تُقرأ كامتداد اجتماعي لقاعدة واضحة، بل ككيانات تتحرك داخل منظومة مصالح، حيث تصبح العلاقة مع الدولة أكثر مركزية من العلاقة مع المجتمع الذي خرجت منه. وفي هذه اللحظة تتآكل التمثيلية حتى لو بقيت اللغة كما هي.

وفي هذا المشهد تتبدل خطوط الاصطفاف داخل نفس الرقعة باستمرار: هلال ضد الحركات، ثم حميدتي ضد هلال، ثم الحركات ضد حميدتي، ثم تحالفات متقاطعة وفق ميزان اللحظة.

ما يبدو صراعاً متعدد الأطراف ليس إلا إعادة توزيع مستمرة للخصومة داخل رقعة واحدة لا تتغير قواعدها. الأطراف تتحرك وتبدل مواقعها لكن منطق اللعبة يظل ثابتاً، وكأن الجميع يتحرك داخل لوحة واحدة تُعاد فيها هندسة العلاقات بينما تبقى القواعد خارج أي مساءلة.

وهكذا تصبح رقعة الشطرنج ليست استعارة شكلية، بل توصيفاً لبنية سياسية مغلقة: الأدوار تتبدل واللاعبون يتغيرون لكن منطق اللعبة ثابت يعيد إنتاج نفسه دون توقف.

وفي مقابل هذا الدوران يبرز خيار مختلف أكثر جذرية: إعادة تعريف العلاقة بين أبناء الإقليم أنفسهم على أساس أن ما هو موجود داخل هذه الجغرافيا من أرض وموارد وطاقات بشرية لا يحتاج إلى إدارة عبر صراعات مستمرة، بل إلى تنظيم داخلي يقلل الحاجة إلى الارتهان للمركز أو للصراع معه.

هذا ليس انفصالاً رمزياً ولا خطاباً عاطفياً، بل انتقال من منطق البحث عن القوة خارج الإقليم إلى منطق إنتاج القوة داخله عبر بناء شبكات إدارة وتنظيم تقلل من الحاجة الدائمة للسلاح أو التفاوض كأدوات وحيدة للبقاء.

وفي الخلفية تظل الكتلة السكانية التي خرجت منها هذه الحركات هي الخاسر الأكبر: نزوح، تفكك، وتراجع مستمر في الوزن السياسي الذي كان يمكن أن يكون مصدر القوة الحقيقي.

وفي رقعة الشطرنج هذه لا يُقاس النفوذ فقط بمن يملك القوة، بل بمن ما زال يملك سبباً معقولاً لاستمرار اللعبة.

لكن أخطر ما في هذا المسار ليس الفشل، بل الاستمرار فيه رغم غياب المبرر.

السؤال لم يعد: ماذا ربحت الحركات المسلحة من الحرب؟

بل: هل ما زال هذا الشكل من الفعل السياسي والعسكري قابلاً للاستمرار إذا كانت نتيجته الوحيدة إعادة إنتاج نفس الواقع الذي بدأ من أجله؟

لأن اللحظة التي يصبح فيها استمرار اللعبة هو المشكلة نفسها تكون الإجابة قد سبقت السؤال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!