
نجم الدين دريسة
حين يختلف الناس حول تعريف الدولة، تصبح كل معركة مجرد فصل جديد من الأزمة، لا طريقًا إلى الحل
من أكثر الأخطاء شيوعًا في قراءة الأزمة السودانية اختزالها في الحرب الراهنة، أو في انقلاب عسكري، أو في سقوط نظام سياسي، أو في صراع بين قوى مدنية وعسكرية. هذه القراءة، رغم أهميتها في تفسير ما يجري اليوم، تتعامل مع الأعراض أكثر من تعاملها مع المرض. فالأزمة السودانية ليست وليدة السنوات الأخيرة، ولا بدأت مع الاستقلال، ولا حتى مع وصول أي نظام سياسي بعينه إلى السلطة. إنها أزمة أعمق، تتعلق بمسار تشكل الدولة نفسها، وبغياب اتفاق تاريخي حول طبيعتها ووظيفتها ومصدر شرعيتها.
السودان لم يكن يومًا فراغًا تاريخيًا بدأ عام 1956، بل هو فضاء حضاري تعاقبت عليه الممالك والسلطنات، وتداخلت فيه الهويات والثقافات والأنظمة الاجتماعية، وتكونت داخله خبرات طويلة في الإدارة والحكم والعلاقات بين المركز والأطراف. وكان الإسلام، عبر قرون، مكونًا أصيلًا في البناء الثقافي والاجتماعي والقانوني، وأسهم في تشكيل منظومة القيم والتعليم والقضاء. غير أن وجود الدين في المجتمع يختلف جذريًا عن تحويله إلى أداة للصراع السياسي أو مصدر احتكار للسلطة، وهي المسافة التي ظلت محل جدل مستمر في التاريخ السوداني الحديث.
ثم جاءت الدولة المهدية باعتبارها أول محاولة لبناء سلطة سياسية ذات مرجعية دينية شاملة، لا بوصفها حركة مقاومة فقط، وإنما مشروعًا لإعادة تعريف الحكم والشرعية. وبعد سقوطها، أعاد الحكم الثنائي تشكيل مؤسسات الإدارة والتعليم والخدمة العامة وفق النموذج الاستعماري الحديث، لكنه لم يؤسس عقدًا وطنيًا جامعًا، بل ترك المجتمع يحمل بنيتين متوازيتين؛ مؤسسات حديثة، وتركيبة اجتماعية وثقافية تقليدية، دون جسر حقيقي بينهما.
وعندما أُعلن الاستقلال، حصل السودان على حدوده الدولية وسيادته القانونية، لكنه لم يحصل على إجابة للسؤال الأكثر أهمية: ما هي الدولة التي يريدها السودانيون؟ هل هي دولة تستند إلى الإرث التاريخي والديني؟ أم دولة مدنية حديثة؟ أم نموذج جديد يجمع بين الهوية التاريخية والمواطنة المتساوية؟ ذلك السؤال لم يُحسم، بل جرى تأجيله، وكل سلطة جاءت بعد ذلك حاولت أن تجيب عنه منفردة، لا بتوافق وطني.
ومن هنا بدأ الصراع الحقيقي. لم يكن التنافس بين القوى السياسية مجرد اختلاف في البرامج الاقتصادية أو السياسات العامة، بل كان تنافسًا حول تعريف الدولة نفسها، وحول مصدر الشرعية، وحول العلاقة بين السلطة والمجتمع. ولهذا لم تستطع الأحزاب، على اختلاف مدارسها، إنتاج مشروع وطني يتجاوز الانقسامات التاريخية، كما لم تستطع أن تجعل المواطنة الأساس الجامع الذي تتقدم فيه الحقوق على الانتماءات الأولية.
وفي المقابل، لم يكن تدخل المؤسسة العسكرية في السياسة مجرد انتقال للسلطة من المدنيين إلى العسكريين، بل أصبح جزءًا من أزمة بناء الدولة نفسها. إذ دخلت المؤسسة العسكرية المجال السياسي باعتبارها فاعلًا رئيسيًا في تحديد مستقبل الحكم، فتحولت مع مرور الزمن من مؤسسة وطنية يفترض أن تحمي الدولة إلى طرف مؤثر في تعريفها واتجاهها. وهكذا، أصبح الجدل حول السلطة يتقدم على النقاش حول بناء المؤسسات.
أما الخدمة المدنية، التي يفترض أن تكون العمود الفقري للدولة الحديثة، فقد فقدت تدريجيًا استقلالها المهني مع توالي التحولات السياسية، وأصبحت تتأثر بتغير موازين القوة أكثر من تأثرها بمعايير الكفاءة والمؤسسية. وعندما تصبح الإدارة العامة انعكاسًا للصراع السياسي، فإنها تفقد قدرتها على تمثيل الدولة بوصفها كيانًا محايدًا يخدم جميع المواطنين.
كما عبّرت الحركات المسلحة، في جانب كبير منها، عن أزمات التهميش واختلال توزيع السلطة والثروة، لكنها بدورها دخلت ساحة الصراع حول شكل الدولة ومستقبلها، لتتعدد مراكز القوة دون أن يقترب السودان من صياغة مشروع وطني جامع.
وعقب سقوط نظام الإنقاذ، حملت المرحلة الانتقالية آمالًا واسعة في إعادة تأسيس الدولة، غير أنها اصطدمت بغياب التوافق الوطني، واستمرار الاستقطاب، وتعقيد العلاقة بين المكونات المدنية والعسكرية، فعاد سؤال الشرعية إلى الواجهة من جديد، وبقيت الدولة نفسها محل نزاع بين رؤى متنافسة.
ثم جاءت الحرب الحالية لتكشف الحقيقة الأكثر قسوة: الصراع الدائر ليس مجرد مواجهة عسكرية على السلطة، بل مواجهة بين تصورات مختلفة لمعنى الدولة ومن يملك حق تمثيلها وإعادة بنائها. ولذلك فإن أي انتصار عسكري، مهما كانت نتائجه، لن يكون كافيًا لإغلاق ملف الأزمة إذا بقي السؤال التأسيسي بلا إجابة.
كما أن المجتمع الدولي، في تعامله مع السودان، ينظر في المقام الأول إلى قضايا الاستقرار، وحماية المدنيين، واستمرارية مؤسسات الحكم، ومنع انهيار الدولة، أكثر من انحيازه إلى أي رؤية أيديولوجية بعينها. وهذا يجعل بناء مؤسسات شرعية وقادرة على إدارة التنوع شرطًا أساسيًا لأي استقرار مستقبلي.
لهذا فإن القفز على هذه الحقائق التاريخية لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة بصورة جديدة. فالمشكلة ليست في الحكومة التي تحكم، ولا في الحزب الذي يفوز، ولا في التحالف الذي يتصدر المشهد، بل في أن السودان ظل، طوال عقود، يحاول إصلاح بنية لم تُبنَ أصلًا على عقد وطني جامع.
إن ما يحتاجه السودان اليوم ليس ترميم دولة أنهكتها الحروب، بل تأسيس دولة جديدة تستند إلى مفهوم المواطنة، وسيادة القانون، واستقلال المؤسسات، والتوازن بين الهوية التاريخية والتعدد الاجتماعي، بحيث تصبح الدولة ملكًا لجميع مواطنيها، لا ساحة لتغلب مشروع على آخر.
فالأمم لا تُبنى بإعادة تدوير الأزمات، ولا بإحياء النماذج التي أثبتت محدوديتها، وإنما بالشجاعة الفكرية التي تعترف بأن لحظة التأسيس الحقيقي لم تأتِ بعد. وربما تكون هذه هي المهمة التاريخية الكبرى التي تنتظر السودانيين: الانتقال من إدارة الدولة إلى صناعة الدولة، ومن الصراع على السلطة إلى الاتفاق على الوطن.




