
عباس احمد السخي
منذ اندلاع حرب جنوب السودان، لم يتعامل المركز مع أزمات الهامش بوصفها قضايا عدالة سياسية أو اختلالات بنيوية في توزيع السلطة والثروة، بل بوصفها مساحات قابلة لإعادة التشكيل عبر إدارة الصراعات الداخلية وإعادة توجيهها. تلك هي القاعدة غير المعلنة: تفكيك الهامش من داخله، وصناعة خصوماته، ثم إعادة تركيبها بما يخدم بقاء المركز واستدامة هيمنته. لم تكن الحرب بين الدينكا والنوير والشلك سوى النموذج الأولي لهذه المقاربة؛ صراع متعدد الأبعاد، أُلبس لبوس الهوية، بينما كانت خيوطه تُشد من خارج مسرحه المحلي. تكرر المشهد في دارفور تحت ثنائية “عرب وزرقة”، ثم في جنوب كردفان ضمن مقابلة مصطنعة بين النوبة والعرب. في كل مرة، يُعاد إنتاج الانقسام بوجوه جديدة، لكن الجوهر واحد: إغراق الهامش في صراعاته، حتى يفقد القدرة على توجيه سؤاله الحقيقي نحو المركز.
مع حرب أبريل 2023، انتقل المركز إلى نسخة أكثر تعقيدًا وجرأة من هذه السياسة. لم يعد يكتفي بإدارة التناقضات، بل شرع في هندستها بتركيبة مزدوجة: “زرقة” ممثلين في الحركات المسلحة، و”عرب شتات” ممثلين في الدعم السريع، الحليف الذي تمرّد على أوامر الجلاد. هكذا وُضع الهامش أمام معادلة مستحيلة: طرفان من صلبه، يُستنزفان في معركة لا رابح فيها إلا من يقف خارجها. وبعد ثلاث سنوات من الاستنزاف الدموي والإنهاك الشامل، بدأت ملامح تحوّل جديد تتكشف؛ تحوّل يقوم على استبدال “القوات المشتركة” بقوى عائدة من الدعم السريع، يتقدمها موسى هلال ومقاتلوه بقيادة النور القبة. إنها عملية لا تختلف كثيرًا عن تغيير إطار سيارة تآكل من كثرة السير: استبدال أداة بأخرى، دون مراجعة الطريق ذاته.
تظهر إرهاصات هذه الصفقة في سلسلة من الوقائع التي تبدو متفرقة في ظاهرها، لكنها متماسكة في سياقها. أولها موجة التحرش المنهجي بالقوات المشتركة، والتي بلغت حد التخوين والتشكيك في وطنيتها، بل وتجاوزت ذلك إلى تهديد السلم الاجتماعي عبر اتهامات أخلاقية خطيرة، كما حدث في منطقة تنقاسي قرب مروي. هذه الاتهامات، مهما بدت صاخبة، لا تتجاوز في جوهرها كونها أدوات ضغط تمهيدية، تُستخدم لتهيئة الرأي العام لقبول عملية الإحلال القادمة.
في المقابل، حظي النور القبة وقواته باستقبال استثنائي يكشف عن حجم الرهان الموضوع عليهم. استقبال رسمي، حفاوة مبالغ فيها، ورمزية سياسية لافتة تمثلت في لقاء مباشر مع رأس سلطة بورتسودان ومنحه امتيازات لا تُمنح عادة إلا لحلفاء استراتيجيين. تواكب ذلك مع حملة إعلامية شرسة تعيد صياغة الصورة: تضخيم دور القبة، والتقليل المتعمد من شأن القوات المشتركة، وصولًا إلى خطاب يلمّح بوضوح إلى اصطفاف إثني مغلّف، كما في العبارة الدالة: “أنا وابن عمي على الغريب”. إنها لغة تستدعي الغرائز البدائية، وتعيد إنتاج الانقسام على أسس أكثر هشاشة وخطورة.
الأخطر من ذلك، هو الاستهداف المباشر لمواقع القوات المشتركة، كما حدث في جبل أولياء، حيث تعرضت لهجمات بالطائرات المسيّرة أسفرت عن خسائر في الأرواح والعتاد. وإذا صحت الروايات التي تتهم جهات داخل الجيش بالوقوف وراء هذه الهجمات، فإننا نكون أمام ذروة العبث السياسي: مؤسسة يفترض أن تكون حامية للجميع، تنخرط في إعادة ترتيب موازين القوة داخل الهامش عبر أدوات عسكرية.
غير أن هذا التحول لا يخلو من مقامرة خطيرة. فالتعويل على قوات النور القبة بوصفها بديلاً موثوقًا، يتجاهل حقيقة جوهرية: أن نسبة معتبرة من هذه القوات لا تزال تحتفظ بولائها للدعم السريع وقيادته، وقد عبّر بعضهم عن ذلك صراحة. معنى ذلك أن “الإطار الجديد” ليس أكثر تماسكًا من سابقه، بل ربما أكثر هشاشة، وقابل للانفجار في أي لحظة. إن استبدال أداة بأخرى دون معالجة الجذور، لا ينتج استقرارًا، بل يؤجل الانفجار.
المؤسف أن هذه السياسة، في جوهرها، ليست مجرد تكتيك مرحلي، بل وصفة لاستدامة الصراع. إذ تُبقي الهامش في حالة دوران دائم داخل دوائر العنف، وتمنع تشكّل وعي جمعي قادر على تجاوز الانقسامات المصطنعة. كل إطار يُستبدل، يُعاد شحنه بخطاب جديد، لكنه يؤدي الوظيفة ذاتها: تفتيت الهامش وإشغاله بذاته.
إن اللحظة الراهنة تفرض على جميع الفاعلين، في القوات المشتركة وقوات النور القبة على السواء، أن يدركوا طبيعة اللعبة التي يُزج بهم فيها. الصراع بينهم ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة هندسة سياسية واعية. والاستمرار في هذا المسار لن يفضي إلا إلى مزيد من الاستنزاف، دون أن يقترب السودان خطوة واحدة من الاستقرار.
لقد طال أمد الحرب، واستنزفت الأرواح والموارد، وآن الأوان لكسر هذه الحلقة الجهنمية. المطلوب ليس تبديل الإطارات، بل تغيير الطريق نفسه: الانتقال من سياسات إدارة الصراع إلى سياسات إنهائه، ومن تكتيكات قصيرة الأمد إلى رؤية وطنية شاملة تعالج جذور الأزمة. دون ذلك، سيظل السودان أسيرًا لدورة عبثية، يتبدل فيها اللاعبون، بينما تبقى القواعد كما هي.




