
الصادق المأمون (كجيرة )
يمثل الاجتماع الأخير للهيئة القيادية لتحالف «تأسيس» خطوة مهمة في مسار بناء مشروع سياسي يأمل كثيرون أن يسهم في إعادة ترتيب المشهد السوداني، إلا أن نجاح هذه الخطوة يظل مرهوناً بمدى قدرة التحالف على معالجة بعض الإشكالات البنيوية التي قد تعيق تنفيذ قراراته على أرض الواقع.
من أبرز هذه الإشكالات ظاهرة الازدواجية في الأدوار، حيث يُلاحظ تكرار وجود الأشخاص أنفسهم داخل الهياكل السياسية والتنفيذية والتشريعية في آن واحد. هذه الممارسة، التي ظلت سمة متكررة في العمل العام بالسودان، أسهمت تاريخياً في إضعاف الأداء العام، وأعاقت فرص التجديد والإبداع، كما حدّت من توسيع قاعدة المشاركة السياسية.
صحيح أن الظروف الراهنة، بما تفرضه من تحديات أمنية وسياسية، قد تبرر الاستعانة بعدد محدود من الكوادر، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى عائق أمام إدخال كفاءات جديدة قادرة على الإسهام بفعالية في تطوير الأداء المؤسسي. فالتجارب السياسية الناجحة تقوم على توزيع الأدوار بوضوح، وتفويض الصلاحيات بما يضمن تحقيق أعلى درجات الكفاءة والإنجاز.
إن فكّ الازدواجية لا يعني فقط إعادة توزيع المواقع، بل يتطلب بناء أسس تنظيمية واضحة وشفافة تحدد المسؤوليات بدقة، وتمنع التداخل في الصلاحيات. فالجمع بين الدور التنفيذي، المرتبط بإدارة مؤسسات الدولة، والدور السياسي، الذي يقتضي التفكير الاستراتيجي وصناعة القرار، غالباً ما يؤدي إلى إضعاف أحد الجانبين أو كليهما.
كما أن السودان، بتنوعه الجغرافي والاجتماعي والسياسي، يحتاج إلى مقاربة أكثر توازناً في تشكيل مؤسساته، تراعي التوزيع الإقليمي، والتوازن العمري، والتمثيل النوعي، إلى جانب معيار الكفاءة. فالتحديات تختلف من إقليم إلى آخر، ولا يمكن إدارتها بعقلية مركزية أو مغلقة.
إن اللحظة الراهنة، بما تحمله من تعقيدات وفرص، تفرض على القوى السياسية الخروج من الأنماط التقليدية في التفكير والعمل، والانفتاح على نماذج أكثر مرونة وابتكاراً في إدارة الشأن العام. فبناء مؤسسات قوية وفعالة يبدأ من وضوح الرؤية، وعدالة توزيع الأدوار، وتوسيع قاعدة المشاركة.
وفي هذا السياق، فإن أي خطوة جادة لفكّ الازدواجية داخل تحالف «تأسيس» لن تسهم فقط في تحسين الأداء الداخلي، بل ستعزز أيضاً ثقة الجمهور في قدرته على تقديم نموذج مختلف في إدارة الحكم، قائم على الكفاءة والشفافية، وقادر على الاستجابة لتحديات السودان في هذه المرحلة المفصلية.




