
فى بدايات العام ١٩٤٨ قامت ثورة الريف السودانى وذلك بعد ماتأكد لكثير من قيادات الريف السودانى أن افندية نخب المركز قد إنتظموا فيما يعرف ب (مؤتمر الخريجين ١٩٣٨م) والذى كانت اجندته إقصائية لكثير من الأفندية الخريجين فى السودان حتى داخل مايعرف بالعاصمه وماقابلها من اندية مناطقية فى (ود مدني ) بجانب فكرة تأسيس نادي الخريجين ١٩٣٨م ، كانت هنالك فكرة تكوين المجلس الاستشاري لشمال السودان والذي كان بدعم وتأييد من الادارة الإنجليزية فى السودان ؛ وهى تستعد إلى الإجلاء من السودان تمهيدا للإستقلال وسودنة الوظائف السودانية مع العلم أن الادارة البريطانية طبقت سياسة عزل وقفل مناطق غرب السودان وجنوب السودان وجبال النوبة وشرق السودان ، ومنعتهم من التواصل مع بقية مناطق السودان الأخرى (مناطق تحت سيطرة الانجليز والمصريين ومتعاونين معهم ) أما المناطق المقفولة والمعزولة صنفت مناطق (تحت سيطرة نفوذ الثورة المهدية) ماعدا جنوب السودان الذي تم تطبيعه مع دول شرق أفريقيا تشجيعا وتمهيدا الى تنفيذ فكرة الإنفصال عن الشمال . وفى المقابل سعى الانجليز الى تطوير الادارة والحكم والتعليم فى شمال السودان ومن ثم تسليم الحكم الى مجموعات من الشمال الجغرافي وهذه هى فكرة قيام المجلس الاستشاري لشمال السودان .
وقدتأسس المجلس الاستشاري لشمال السودان في عام (1943م _1948)
بناءا على توصية اللجنة التي عينها الحاكم العام للسودان بهدف بحث مدى الحاجة إلى إنشاء مجلس استشاري لشمال السودان؛ والتي أوصت بضرورة قيام المجلس. وكان يتم تشكيل المجلس من (28) عضواً يمثلون زعماء العشائر ورجال الإدارة الأهلية (الذين كانوا يمثلون نسبة 75% من عضوية المجلس) ورجال الدين في شمال السودان وكان يتم تعيين جميع أعضائه بواسطة الحاكم العام لحكومة السودان (الذي كان رئيساً للمجلس) إضافة إلى السكرتير القضائي والمالي والإداري وقائد قوة دفاع السودان . وبهذه الطريقة الاقصائية لجميع مكونات الشعوب السودانية فقد اعتبر هذا المجلس السند الحقيقي للإدارة الثنائية (البريطانية-المصرية) التي كانت تحكم السودان حينذاك وهنا لابد من إبداء بعض الملاحظات وهي أن فى هذا المجلس تم إقصاء الخريجيين الأفندية وهم ايضا من شمال السودان ، وكذلك إعتمد الحكم البريطانى على الاغلبية من رجال الادارة الاهلية ورجال الدين(الحكم الأهلى التقليدي ) حيث كان السودان يحكم بواسطة نوعين من الحكم !! وهما الحكم المحلي الأهلي من رجال الادارة الاهلية ، والدين الموالين للانجليز المستعمر والحكم الآخر هو مجلس الحاكم العام البريطاني (نظام حكم رئاسي ) وهذا يعنى أن المجلس الاستشاري لشمال السودان عبارة عن مجلس تشريفي تنسيقي ينفذ قرارات مجلس الحاكم العام البريطاني .
هذه المقدمة هي التى أنتجت فى السودان مايعرف بثورة الريف السودانى 1948م ،بعد قيام المجلس الاستشاري لشمال السودان فى 1943\1948 والذى لم يشارك فيه أهل الريف السودانى ولم تتم مشاورتهم فى شئؤن إدارة البلاد السودانية. هذه الوحدة من اهل الريف السودانى بقيادة شرق السودان وتضامن اهل الغرب والجنوب شكل تحدي سياسي فاعل جدا فى الفترة ماقبل الإستقلال وبعد الاستقلال وقد نجح هذا التضامن من قوى الريف السودانى فى إفشال مايعرف ب مطالب نادى الخريجين فيما يعرف بوحدة وادى النيل والانضمام الى مصر الخديوية وايضا هذا التضامن نجح فى تحقيق الإستقلال فى 1956 بعد قيام أول تجربة برلمانية تشريعية في البلاد وسميت الجمعية التشريعية فتأسست 1948 وبلغ عدد أعضائها 79 عضوا برئاسة محمد صالح الشنقيطي واستمرت حتى قيام الانتخابات البرلمانية الأولى في عام 1953. وأجازت هذه الجمعية قرار دولتي الحكم الثنائي بمنح السودان الحكم الذاتي .
بعد هذه التجارب فى التاريخ السياسي السودان لابد لنا من الوقوف حول المحطات المهمة مابين الوحدة والإنفصال ونبدا بتجربة (جنوب السودان) والتى بدأت فيها بوادر الوحدة والإنفصال فى عام 1953م ، وقبيل الإستقلال حيث طالب الجنوبيين قبل خروج الانجليز بأن يطبق نظام الحكم الفيدرالي فى السودان أو نظام الحكم الكونفيدرالي الحكم الذاتى ، وهذا المطلب كان هو أول سابقه للمطالبة بتطبيق مبدأ (المبادئ فوق الدستورية) أو مايعرف بالقضايا المصيرية الكبرى ولكن على حسب ماورد فى بعض الإفادات أن بعض القادة السياسيين من شمال السودان طلبوا من القادة الجنوبين تأجيل هذا المطلب فى الوقت الراهن الى ان ينجح السودانيين فى نيل الإستقلال ومن ثم فتح الحوار السوداني السوداني حول القضايا المصيريه الكبري . ولكن إتضح لاحقا وبمجرد تحقيق الإستقلال قد نكص وتنصل القادة السياسيين من شمال السودان عن هذا الإلتزام ؛ وبهذا تولدت أول بذرة خلاف وعدم مصادقية وغياب حسن النية فى كافة تصرفات القادة السياسيين من شمال السودان( تاريخ ميلاد الإستهبال السياسي) فى الدولة السودانية مما جعل الحوار السوداني السوداني معلقا على تكرار تجارب الفشل ، منذ تاجيله 1953م وعليه إندلعت حرب الجنوب 1955 وظلت الوحدة والإنفصال رافعتين تهدد مصير البلاد السودانية، إلى أن تحقق أول إنفصال داخل الدولة السودانية فى 2005م بموجب إتفاق نيفاشا .
أما تجربة دارفور (مابين الوحدة والإنفصال) ظلت دارفور تمثل (قلب السودان النابض) منذ ميلاد الدولة السودانية القديمة فى عهد السلطنات وكذلك فى عهد الدولة السودانية الحديثة فترة الدولة المهدية وفترة الإستقلال إلى يومنا هذا .
لقد أشرنا فى مقدمة المقال أن دارفور كانت من ضمن تكوين قوى الريف السودانى 1948 وبجانب مقعدها المتميز فى تاريخ النضال السياسي السوداني ووقوف قادتها السياسيين مع وحدة السودان وسيادة السودان ووطنيته ، كانت هناك بعض الحركات الثورية تعبر عن المطالب والإستحقاقات المناطقية كثورة إحتجاجات من وقت إلى آخر حيث بدأت بما يعرف ب (حركة اللهيب الأحمر/ حركة سوني / جبهة نهضة دارفور ) وكل هذه التطورات السياسية كانت حركات وحدوية ليس لها أى مطالب أو أجندات إنفصالية وقد لعبت دورا بارزا فى ثورة إكتوبر 1964م ، حينما تمكن السياسي المخضرم الراحل أحمد إبراهيم دريج من دخول البرلمان كزعيم معارضة (جبهة نهضة دارفور ) .
وفى العام 1992م ظهرت اول حركة مسلحة فى دارفور كانت بقيادة المناضل الشهيد الباشمهندس داؤود يحي بولاد ومعه المنضال المخضرم /عبدالعزيز آدم الحلو، حيث جاءت فكرة الحركة المسلحة بعد إنقلاب الإنقاذ العسكري المشئوم فى 30يونيو 1989م وبتمويل ودعم من الحركة الشعبية لجنوب السودان ،، دخلت حركة بولاد الى دارفور وخاضت حرب ضروس مع الحركة الاسلامية الكيزانية إنتهت بالقبض على الشهيد بولاد وتصفيته ونجح المناضل عبدالعزيز الحلو فى سحب ماتبقى من قوات الحركة والعودة الى جنوب السودان . فى عام 2002م تجددت فكرة العمل المسلح فى دارفور(حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة) حيث كانت الاولى بقيادة المناضل العصامي الأستاذ المحامي عبدالواحد محمد احمد النور والثانية بقيادة الراحل الشهيد دكتور خليل إبراهيم زعيم المهمشين وقائد معركة الزراع الطويل (هجوم أمدرمان 2010م)ضد حكومة المركز فى الخرطوم نتيجة للسياسات والقرارات التي أدت الى تأجيج الصراع القبلي وزيادة الفجوة فى المظالم والحقوق التاريخية فى اقليم دارفور والإهمال المتعاقب من كافة الحكومات السابقه ، وكانت كل المطالب والإستحقاقات يتم إهمالها وعدم الاستجابة لها وإتباع سياسة فرق تسد والفتنه القبلية والأجندات السياسية، مما جعل الإقليم بؤرة مشتعلة من الصراعات المستمرة الى تاريخ اليوم رغم هذه التطورات والصراعات لم تكن اجندة الإنفصال مطروحة للنقاش أو المساومه السياسية، ولم تكن حتى رافعة تكتيكية فى فن التفاوض أو الحوار مع غياب كامل لمفهوم (حق تقرير المصير) كما هو كان شائعا فى منابر الحركة الشعبية لتحرير السودان التفاوضية .
فى منبر (أبوجا) العاصمة النيجيرية 2005م بدأ التفاوض حول قضية دارفور بين اطراف النزاع (الحركات المسلحة والنظام السوداني ) على الرغم من أن النظام الحاكم بإسم المؤتمر الوطنى والحركة الاسلامية كان يفاوض الحركة الشعبية لتحرير فى مشاكوس ونيفاشا ويضمر بسوء نية إخفاء رغبته عن الشعب السودانى فى فصل جنوب السودان، إلا أنه ذات النظام يفاوض فى قضية دارفور ويتمسك بوحدة السودان ويرفض أى حديث حول منح دارفور حق تقرير المصير!! ولكن ثمة امر مهم لابد أن نشير إليه خاصة أن مفاوضات قضية دارفور حظيت بزخم دولى كبير جدا وتأثير من الإدارة الأمريكية والإتحاد الأوروبي والإتحاد الأفريقي معا؛ وكانت هناك أصوات فى الغرف المغلقة تقوم بتمرير بعض الإفادات حول إمكانية تقسيم السودان الى (8) دويلات منفصلة وهذه الرغبه والتحول جاء نتيجة إحتضان الحركة الاسلامية الكيزانية لجماعات الإرهاب والتطرف الدينى وتمويل الإرهاب!! وفتح أبواب السودان أمام كافة التنظيمات المتطرفة الجهادية ومما (زاد الطين بله) هو ضلوع نظام الكيزان الاسلاميين فى تفجيرات تنزانيا ونيروبي للسفارتين الأمريكية وتفجيرات المدمرة كول الامريكية، قبالة شواطئ اليمن وكذا تورط النظام الكيزاني فى تفجيرات سبتمبر 2001م برج التجارة الدولية فى أمريكا .
امام هذه الضغوط الدولية والعقوبات ضد النظام الإسلامى فى السودان كانت حركات دارفور المسلحة بعيدة كل البعد فى السعى الى تفكيك وحدة السودان ولم تستخدم رافعة الوحدة أو الإنفصال كنوع من الإبتزاز السياسي ، مقابل الحصار والعزلة الدولية للنظام الحاكم فى الخرطوم بالإستبداد والطغيان والظلم والقتل والتشريد وإنتهاكات حقوق الإنسان والمجازر الجماعية والإعتقال والتصفية للخصوم السياسيين الوطنيين من المعارضه السلمية .
وفى عام 2020م وبعد ما فشل تنفيذ إتفاق أبوجا (2006م) بسبب عدم مصادقية نظام المؤتمر الوطنى فى الخرطوم وتنصله من إلتزاماته تجددت الإشتبكات المسلحة والحرب فى دارفور وتجاوزتها الى كردفان ومناطق أخري ولذلك نجحت الوساطة الأفريقية والوسيط القطري (الدوحة) فى إستضافة منبر للتفاوض حول قضية دارفور وهنا تأكد أن جنوب السودان على وشك الإنفصال بمجرد تكوين مفوضية الإستفتاء حول تقرير المصير وبعد ان فشلت محاولات الوحدة الجاذبه لجنوب السودان ، وقد وقعت من قبل أحداث سقوط طائرة الراحل جون قرنق دي مبيور ونبأ مقتله وكانت هذه الأحداث فى العاصمة الخرطوم!! نقطة سوداء فى صفحة الوحدة المستحيلة فتحقق الإنفصال . لكن التفاوض فى منبر الدوحة القطرية حول قضية دارفور لم يتأثر برغبة الجنوبيين فى إختيار الإنفصال ورغم مصداقية القطريين ودعمهم اللامحدود فى تنفيذ اتفاق سلام يطوي سنين الحرب المستمرة وينتشل السودان والسودانيين من قاع التخلف الاقتصادي والتنموي وتقوم دولة عملاقه تسعى الى رفاه الشعوب وتطوي ويلات الحروب من نزوح ولجؤ وقتل وتشريد وتدمير، ألا أن نظام الكيزان الاسلاميين كعادته ليس فيه عهد ميثاق أو حسن نية حتى فى تعامله مع من تجمعهم بهم روابط التنظيم الدولى للأخوان المسلمين والإسلاميين فلا عهد ولادين لهم .
وهنا أيضاء لابد من الإشارة إلى أن منبر الدوحة هو الآخر ظل منبر وحدوي لايساوم أو يرهن تفكيك وحدة السودان لصالح أي أجندات محلية أو إقليمية أو دولية، فما كان هناك أى موقف تكتيكي تفاوضي يستخدم رافعة الوحدة أو الإنفصال كإبتزاز سياسي لتحقيق مكاسب .
نواصل…




