تقارير وتحقيقات

التحويلات المالية وشبكات الإنترنت في السودان كيف تحولت شرايين الحياة إلى أدوات للابتزاز في زمن الحرب؟

التنوير تحقيق استقصائي MCN إعداد نجم الدين دريسة

 

التنوير تحقيق استقصائي MCN إعداد نجم الدين دريسة 

يكشف هذا التقرير كيف جرى استغلال انهيار شبكات الاتصالات واحتكار خدمات الإنترنت الفضائي “ستارلينك” وتطبيقات التحويل البنكي، لتحويل الخدمات الرقمية الأساسية إلى اقتصاد موازي خارج الأطر القانونية، تتحكم فيه شبكات من المستفيدين والوسطاء. كما يتتبع حجم تغلغل هذه الشبكات في تفاصيل الحياة اليومية للمدنيين، بعدما أصبحت بوابة شبه إلزامية للوصول إلى الاتصال والتحويلات والخدمات الضرورية، ويسلط التقرير الضوء على الأثر المباشر لهذه الممارسات على قدرة المواطنين في الوصول إلى أموالهم واحتياجاتهم الأساسية، في سياق يتآكل فيه ما تبقى من الأمان الاقتصادي، وينحسر الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي تحت وطأة الحرب والانهيار المؤسسي.

اعداد: نجم الدين ادم عبدالله دريسة

الشبكة الإعلامية المدنية – MCN

مقدمة:

في خضم الحرب المدمرة التي يشهدها السودان تحولت البنية التحتية الرقمية، التي كان يُفترض أن تشكل طوق نجاة للمدنيين إلى ساحة جديدة للابتزاز والاستغلال. فبينما تتواصل المواجهات العسكرية على الأرض، يجد ملايين المواطنين أنفسهم عالقين في حرب موازية أكثر خفاءً، تدار داخل الفضاء الرقمي، حيث جرى توظيف خدمات الإنترنت الفضائي “ستارلينك” وتطبيقات التحويل البنكي لفرض إتاوات غير قانونية وعمولات باهظة، عمقت من حجم المعاناة الإنسانية والاقتصادية، ومع انهيار شبكات الاتصالات التقليدية في مناطق واسعة، أصبح الإنترنت والتحويلات الرقمية شريان الحياة شبه الوحيد للسكان، غير أن هذه الضرورة سرعان ما تحولت إلى أداة ابتزاز منظم تتحكم فيها شبكات وسطاء ومستفيدين استغلوا غياب الرقابة وتفكك البنية التنظيمية للدولة. ويوثق هذا التقرير حالات فرضت فيها عمولات وصلت في بعض المناطق إلى 30% من قيمة الحوالات المالية، في مشهد يكشف كيف يمكن للحرب أن تعيد تشكيل الاقتصاد اليومي للمدنيين عبر تحويل أبسط الخدمات الأساسية إلى اسواق موازية تدار بمنطق الاحتكار في ظل غياب الرقابة وتفكك البنية التنظيمية.

انقطاع الاتصالات والفراغ الرقمي

منذ اندلاع الصراع، شهدت مساحات واسعة من السودان انهياراً شبه كامل في خدمات الاتصالات والإنترنت، في واحدة من أكثر صور العزل الرقمي قسوة منذ بدء الحرب. فقد بدأت معاناة المواطنين في عدد من الولايات منذ الأشهر الأولى للاشتباكات بين الجيش وقوات الدعم السريع، مع توقف كلي أو شبه كلي لشبكات الاتصال في إقليم دارفور، وتعرض البنية التحتية للاتصالات لأضرار جسيمة تجاوزت 40%، نتيجة أعمال نهب وتخريب طالت كوابل النحاس، والمولدات الكهربائية، وقطع الغيار، ومعدات الطاقة الشمسية، ولم يقتصر التدهور على دارفور وحدها، إذ امتد ليشمل أجزاء واسعة من كردفان وعدداً من الولايات الأخرى في ظل انهيار متسارع أصاب الشبكات الأساسية وشل قدرتها التشغيلية، واكد موظف بإحدى شركات الاتصالات أن إعادة تأهيل منظومة الاتصالات في دارفور وكردفان تتطلب استثمارات مالية ضخمة تقدر بملايين الدولارات، في ظل دمار واسع طال معظم مكونات الشبكة الأساسية، ما يجعل عملية إعادة الإعمار أكثر تعقيداً من مجرد صيانة تقنية إلى ملف بنية تحتية شامل يرتبط بشكل مباشر بمسارات الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وأمام هذا الفراغ الرقمي المتسع برزت الحاجة إلى وسائل اتصال بديلة لتتقدم خدمات الإنترنت الفضائي “ستارلينك” إلى الواجهة كخيار شبه وحيد في عدد من المناطق، وقد تحولت أجهزة الاتصال الفضائي إلى بوابة أساسية نحو العالم الخارجي، تمنح السكان قدرة محدودة على الوصول إلى المعلومات والخدمات، لكنها في الوقت ذاته أعادت تشكيل مشهد الاتصالات في مناطق الحرب، بما يحمله ذلك من أبعاد اقتصادية واستراتيجية معقدة داخل بيئة تتسم بالانهيار المؤسسي وتفكك البنية التحتية التقليدية للاتصال.

احتكار الخدمة والأسعار الفلكية

على الرغم من أن خدمة “ستارلينك” صممت لتوفير اتصال عالمي بالإنترنت في المناطق النائية والمتضررة، فإن استخدامها في السودان تحول، بفعل الحرب والانهيار المؤسسي إلى سلعة محتكرة تخضع لشبكات معقدة من الوسطاء والرسوم غير القانونية. ويقول أحد تجار أجهزة “ستارلينك”، مفضّلاً الإشارة إلى اسمه بـ (أ.م)، إنهم يحصلون على الأجهزة عبر موزعين ووكلاء لشركات مرتبطة بـ“ستارلينك” في كينيا والكاميرون، وأضاف أن السوق السودانية استقبلت في البداية أجهزة الجيلين الأول والثاني، قبل أن تتوسع لاحقاً لتشمل الجيل الثالث (V3)، والجيل الرابع (V4)، إضافة إلى النسخ المصغرة (Mini)، وأوضح أن التحدي الأكبر لا يكمن في شراء الأجهزة، بل في إدخالها إلى السودان، حيث تمر عبر مسارات متعددة سوى عبر جنوب السودان، إفريقيا الوسطى، تشاد، او ليبيا، وأكد أن هذه الرحلات التجارية تواجه أعباء مالية متصاعدة، تبدأ بالرسوم الجمركية الرسمية التي لا تتجاوز بحسب قوله 50 دولاراً للجهاز الواحد، لكنها لا تنتهي عند هذا الحد، إذ تفرض رسوم إضافية غير قانونية قد تتجاوز أحياناً 100 دولار على الجهاز نفسه. وبحسب إفادته فإن هذه المبالغ يطالب بها أشخاص قال إن غالبيتهم ينتمون إلى أجهزة أمنية في دول العبور، حيث تصادر الأجهزة بدعوى أنها ممنوعة، قبل أن يطلب مقابل مالي للإفراج عنها، كما يحدث وفق روايته في جنوب السودان وليبيا.

أما داخل السودان فيقول التاجر إن عملية نقل الأجهزة لا تقل تعقيداً، إذ تمر الشحنات عبر عشرات نقاط التفتيش وكل نقطة تفرض مبالغ خاصة بها سواء في مناطق سيطرة الجيش أو قوات الدعم السريع. وأضاف “أحيانًا نضطر لدفع مبالغ كبيرة لقادة عسكريين لضمان عدم مصادرة الأجهزة بحجة أنها ممنوعة، لا سيما في بعض مناطق سيطرة الجيش، ما يدفعنا في أحيان كثيرة إلى تهريبها بسرية، وأشار إلى أنه في حال ضبط الأجهزة فإن الإفراج عنها يتطلب دفع مبالغ قد تصل إلى 200 ألف جنيه سوداني للجهاز الواحد، واكد إن المواطن السوداني هو من يتحمل في نهاية المطاف كلفة هذه المخاطر وسلسلة الإتاوات بعدما تحولت خدمة كان يفترض أن تخفف العزلة الرقمية إلى سلعة باهظة الثمن يثقلها الفساد والحرب.

وفي السياق ذاته، قال عدد من مشغلي خدمة “ستارلينك” إن تكلفة ساعة الاتصال الواحدة تتراوح بين 500 و1500 جنيه سوداني في المدن والمناطق الأقل عزلة، بينما ترتفع في بعض المناطق النائية إلى ما بين 1000 و3000 جنيه للساعة الواحدة، وهي مبالغ تفوق بكثير القدرة الشرائية للمواطن العادي، لا سيما في ظل أوضاع معيشية متدهورة يعجز فيها كثيرون عن توفير احتياجاتهم الأساسية اليومية. وأضاف (م.س)، من ولاية النيل الأبيض أن الجهات الأمنية تقوم بمصادرة الأجهزة وإلقاء القبض على أصحاب المحال العاملة في هذا المجال، مشيراً إلى أن معظم من يواصلون العمل إما منسوبون إلى أحد الأجهزة الأمنية، أو يتمتعون بعلاقات مباشرة مع قيادات عسكرية توفر لهم الحماية، وأكد أن استمرار النشاط يتطلب دفع مبالغ مالية تتراوح تصل أحيانا الى 200 ألف جنيه سوداني مقابل السماح بمواصلة التشغيل.

ومن إقليم دارفور، أفاد (ع.أ) بأن قطاع خدمة “ستارلينك” يخضع في كثير من المناطق لهيمنة عناصر عسكرية، موضحاً أن السلطات العسكرية تفرض على المدنيين الراغبين في تشغيل الخدمة استخراج تصاريح عمل شهرية تتراوح قيمتها بين 150 ألف و200 ألف جنيه سوداني، وأضاف أن بعض المحال تشهد وجود عناصر استخباراتية داخل مواقع التشغيل لمراقبة الأشخاص الذين يترددون عليها طلباً للخدمة، في مؤشر على اتساع الرقابة الأمنية المرتبطة بالوصول إلى وسائل الاتصال والإنترنت.

بالإضافة إلى ذلك برزت شبكات وسيطة تستفيد من عمليات تجديد اشتراك خدمة “ستارلينك”، مستغلة محدودية وصول التجار المحليين إلى وسائل الدفع الدولية مثل بطاقات “فيزا” وغيرها من أدوات الصرف الإلكتروني، وفي ظل هذا القيد تتحول عملية التجديد إلى خدمة خاضعة للوساطة تفرض عليها رسوم إضافية غير رسمية، وتفيد شهادات متداولة بأن هذه الرسوم قد تصل أحياناً إلى نحو 30 دولاراً فوق التكلفة الأصلية للاشتراك، ما يضيف عبئاً مالياً جديداً على المستخدمين، ويعمق من حلقة الاحتكار التي تحيط بخدمات الإنترنت الفضائي، وينظر إلى هذه الممارسات بوصفها امتداداً لسلسلة أطول من الاستغلال المرتبط بسلاسل الإمداد والدفع في بيئة تعاني من ضعف البنية المصرفية وانقطاع القنوات المالية الرسمية، الأمر الذي يفتح المجال أمام الوسطاء للتحكم في الوصول إلى الخدمة وتحديد كلفتها الفعلية للمستهلك النهائي.

وتعكس هذه الشهادات كيف تحولت خدمة الإنترنت الفضائي، التي يفترض أن تمثل وسيلة إنقاذ في مناطق الانقطاع، إلى نشاط خاضع للجباية والاحتكار، تُفرض فيه الرسوم والإتاوات وفق موازين النفوذ العسكري، بينما يُترك المواطن العادي لمواجهة كلفة اتصال باهظة في واحدة من أشد الأزمات الإنسانية والاقتصادية التي تمر بها البلاد.

ستارلينك كأداة لتمويل العسكريين

تفيد مصادر متعددة بأن العائدات المتأتية من بيع خدمات “ستارلينك” بأسعار مضاعفة لا تذهب بالكامل إلى صغار التجار أو مشغلي الخدمة، بل تتدفق أجزاء معتبرة منها إلى جهات وعناصر عسكرية تفرض جبايات ورسوماً غير رسمية على النشاط، ووفقاً لهذه المصادر تحولت هذه العائدات إلى مورد دخل موازي يستخدم في تمويل أفراد ومجموعات مسلحة مستفيدين من غياب الرقابة وانهيار مؤسسات الدولة، وتشير الشهادات إلى أن السيطرة على نقاط التشغيل ومسارات إدخال الأجهزة ومنح التصاريح غير الرسمية أوجدت اقتصاداً قائماً على النفوذ تقتطع فيه نسب من الأرباح أو تفرض مبالغ ثابتة مقابل السماح بالعمل، وبهذا المعنى لم تعد خدمة الإنترنت الفضائي مجرد وسيلة اتصال بديلة، بل أصبحت في بعض المناطق أداة تمويل مرتبطة بمراكز القوة العسكرية، فيما يتحمل المواطنون الكلفة النهائية عبر أسعار مرتفعة وخدمة خاضعة للاحتكار والابتزاز.

تطبيقات التحويل البنكي.. من التيسير إلى التعسير

في ظل انهيار النظام المصرفي التقليدي وشح السيولة النقدية تحولت تطبيقات التحويل البنكي وعلى رأسها تطبيق “بنكك”، إلى الأداة الرئيسية لإجراء المعاملات المالية اليومية في السودان، وبات ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها يعتمدون على هذه التطبيقات لتحويل الأموال وسداد الفواتير وتسيير أبسط متطلبات الحياة. غير أن هذه الوسائل التي يفترض أن تخفف من وطأة الأزمة تحولت بدورها إلى بوابة جديدة للابتزاز المالي والاستغلال.

ويشكو آلاف المواطنين من الارتفاع المستمر في تكلفة التحويلات لا سيما ما يتعلق بسعر صرف الجنيه السوداني مقابل الدولار، متهمين تجار التحويلات أو ما يعرف شعبياً بـ“تجار السوق الأسود”، بفرض أسعار يتم تحديدها وفق مصالحهم وتقديراتهم الخاصة، بعيداً عن أي مرجعية مصرفية أو آليات شفافة، ووفقًا لشهادات متطابقة يختلف السعر من منطقة إلى أخرى ومن دولة إلى أخرى، بل ومن ساعة إلى أخرى أحياناً، ومع زيادات وصفها متعاملون بأنها “خيالية” أو “خرافية”، ويقول (ع.ع)، وهو تاجر تحويلات، إن الأسعار لا تحدد عبر مؤشرات رسمية، بل من خلال شبكات غير معلنة واسعة النفوذ لا تعرف الجهات التي تديرها بصورة واضحة، وأضاف “في صباح كل يوم أتصل بعدد من التجار لمعرفة السعر الجديد”، مشيرًا إلى أن من يتواصل معهم بدورهم يتصلون بأطراف أخرى، وهذه الأطراف تتصل بجهات إضافية، في سلسلة متشابكة تنتهي بإصدار سعر متداول يلتزم به السوق بشكل غير رسمي، وتعكس هذه الآلية حجم الفوضى التي باتت تحكم قطاع التحويلات الرقمية، حيث انتقلت التطبيقات البنكية من أدوات للتيسير المالي إلى منصات تعمل داخل سوق موازية غير منظمة، يتحكم فيها الوسطاء والمضاربون، بينما يتحمل المواطن العادي كلفة التقلبات والعمولات وانعدام الشفافية.

الاحتيال المالي والثغرات المصرفية

تكشف شهادات متعددة عن تعرض مواطنين لعمليات احتيال ممنهجة وممارسات مثيرة للقلق عبر تطبيقات التحويل البنكي، في وقت أصبحت فيه هذه التطبيقات الوسيلة الأساسية لإدارة الأموال والوصول إلى المدخرات، وتشمل هذه الانتهاكات وفقاً للشهادات، سحب مبالغ مالية من الحسابات دون علم أصحابها، أو تجميد الحسابات بصورة مفاجئة ومن دون توضيح كافي، إلى جانب فرض رسوم غير معلنة أو اقتطاعات غير مفهومة، وفي دارفور أفاد مواطنون باختفاء ملايين الجنيهات السودانية من حساباتهم، ترافق ذلك مع رسائل غامضة تشير إلى “استرداد عبر النيابة”، ما يثير تساؤلات جدية بشأن احتمال استغلال ثغرات قانونية وإجرائية، أو استخدام آليات غير شفافة في التعامل مع الحسابات والأرصدة.

ويقول “ح.م”، أحد المتضررين “فوجئت بخصم 17 مليون جنيه من حسابي في بنك الخرطوم دون أي سابق إنذار، ثم تم إغلاق الحساب بالكامل”، وأضاف أنه تواصل مع أحد أقاربه في بورتسودان لمراجعة فرع بنك الخرطوم حيث تبين وجود بلاغ مفتوح ضد الحساب، وبحسب روايته خضع الأمر لمراجعات وتحقيقات أوضح خلالها قريبه أن صاحب الحساب يعمل في مجال التحويلات المالية ولا صلة له بأي نشاط سياسي، ويضيف أن الحساب أُعيد فتحه لاحقاً وتمت استعادة المبلغ بعد اقتطاع جزء منه، عقب ما وصفه بـ“مساومات” سبقت تسوية المشكلة.

وتسلط هذه الواقعة الضوء على هشاشة الضمانات المصرفية في بيئة مضطربة، حيث يجد المواطن نفسه معرضًا لفقدان أمواله أو تعطيل حسابه دون إجراءات واضحة أو مسارات تظلم فعالة، في وقت يعتمد فيه على الخدمات الرقمية كوسيلة شبه وحيدة للبقاء الاقتصادي.

التواطؤ واستغلال المسار القانوني للابتزاز

يعد من أكثر الجوانب إثارة للقلق في هذا النمط من الاستغلال توظيف المسار القانوني نفسه كأداة للابتزاز، بعدما تحول ما يفترض أن يكون وسيلة لحماية الحقوق إلى قناة يمكن استخدامها للضغط على المواطنين وسلب أموالهم، وتشير إفادات وشهادات متقاطعة إلى لجوء بعض الجهات أو الأفراد إلى فتح بلاغات كيدية ضد مواطنين عقب تنفيذ تحويلات مالية واستلام قيمتها نقداً، وبموجب هذه البلاغات يتم في بعض الحالات تجميد الحسابات المصرفية أو استرداد المبالغ المحولة أو تعطيل قدرة أصحابها على التصرف في أرصدتهم، ما يضع الضحايا أمام واقع شديد القسوة يتمثل في فقدان الأموال من جهة والدخول في دوامة إجراءات قانونية معقدة من جهة أخرى، ويزداد أثر هذه الممارسات خطورة في مناطق النزاع، حيث تتراجع فعالية المؤسسات العدلية وتضعف فرص الوصول إلى محامين أو جهات تظلم مستقلة، فيما يواجه المواطنون صعوبات كبيرة في التنقل والمتابعة القانونية، وفي مثل هذه البيئة يصبح البلاغ الكيدي أداة ضغط فعالة، تستخدم لفرض التسويات أو انتزاع الأموال أو إخضاع الضحايا للمساومة، وتكشف هذه الوقائع عن تداخل مقلق بين الاقتصاد الموازي والهشاشة المؤسسية حيث يمكن استغلال الثغرات القانونية والإجرائية لإضفاء غطاء شكلي على ممارسات تمثل في جوهرها ابتزازاً مالياً منظماً.

ضعف الحماية المصرفية

على الرغم من التحذيرات المتكررة الصادرة عن بنك السودان المركزي بشأن مخاطر التعامل عبر قنوات تحويل أموال غير مرخصة أو خارج الأطر الرسمية، فإن ضعف الرقابة وتراجع منظومة الحماية المصرفية ساهما بصورة مباشرة في تفاقم الأزمة، ففي ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد، لم تعد الضمانات المعتادة كافية لحماية العملاء أو صون أموالهم من التجاوزات والاستغلال، وتشير شكاوى متكررة إلى أن بعض البنوك لا تقوم دائماً بإخطار العملاء بصورة واضحة أو في الوقت المناسب عند تجميد حساباتهم، أو عند تنفيذ خصومات وسحب أموال منها، ما يترك أصحاب الحسابات أمام إجراءات مفاجئة لا يملكون تفسيراً لها ولا أدوات سريعة للاعتراض عليها، ويضاعف هذا الغموض من هشاشة العملاء خصوصاً أولئك الذين يعتمدون كلياً على التطبيقات البنكية في إدارة شؤونهم المالية اليومية. كما أن غياب الفروع المصرفية عن مناطق واسعة وتضرر البنية التحتية وصعوبة التنقل بين المدن ومناطق النزاع يجعل من متابعة الشكاوى أو مراجعة الحسابات أو استكمال الإجراءات القانونية أمراً بالغ الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً بالنسبة لكثير من المواطنين، وفي هذا السياق يتحول فقدان الوصول إلى الحساب البنكي من مجرد مشكلة إجرائية إلى تهديد مباشر للمعيشة، إذ قد يعني تعطّل القدرة على شراء الغذاء أو الدواء أو استلام التحويلات القادمة من الأقارب في الداخل والخارج، وتكشف هذه المعطيات أن الأزمة لم تعد مقتصرة على نقص السيولة أو تعطل الخدمات، بل امتدت إلى تآكل الثقة في النظام المصرفي نفسه، في وقت تشتد فيه حاجة السكان إلى أدوات مالية آمنة وموثوقة.

ظاهرة “تجار الكاش” والعمولات الخرافية

أدى النقص الحاد في السيولة النقدية إلى بروز ظاهرة تعرف محلياً بـ“تجار الكاش”، وهم أفراد أو شبكات تستغل حاجة المواطنين إلى النقد الورقي في ظل تعطل القنوات المصرفية التقليدية، ويقوم هؤلاء التجار باستلام الأموال رقمياً عبر تطبيقات بنكية مثل “بنكك”، ثم تسليم المقابل نقداً للمواطنين بعد اقتطاع عمولات مرتفعة قد تصل في بعض الحالات إلى 30% من قيمة المبلغ المحول، وتلتهم هذه العمولات جزءاً كبيراً من مدخرات الأسر، وتضاعف الأعباء المالية على المواطنين الذين يواجهون أصلاً ظروفاً معيشية بالغة القسوة، حيث أصبحت القدرة على الوصول إلى أموالهم نفسها خدمة مدفوعة الثمن، ويقول الجيلي، وهو صاحب مخبز يعتمد على النقد المتوفر لديه من حصيلة المبيعات اليومية، إنه يستقبل يومياً أكثر من عشرة أشخاص يملكون أموالاً داخل تطبيقات بنكية، غالباً ما تكون قد أُرسلت إليهم من الخارج، ويرغبون في استبدالها بمبالغ نقدية لتغطية احتياجاتهم الأساسية، وأضاف أنه يقتطع عمولة تبلغ 10% مقابل توفير السيولة مؤكدًا أن بعض المتعاملين الآخرين يفرضون نسباً تصل إلى 30%، وأوضح أن هذه النسب المرتفعة لا تعود دائماً إلى هامش ربح مباشر، بل ترتبط بكلفة الحصول على النقد نفسه خاصة في الأوضاع الأمنية المتردية، وتكشف هذه الشهادات كيف تحولت أزمة السيولة إلى سوق موازية معقدة، تباع فيها الأموال النقدية كما لو كانت سلعة نادرة، بينما يجبر المواطنون على خسارة جزء كبير من أموالهم فقط ليتمكنوا من الوصول إليها.

تحليل تداعيات اقتصاد الحرب الرقمي وأثره على المواطن

1. تحول الخدمات الأساسية إلى سلع حرب

في سياق أي نزاع مسلح غالباً ما تتحول الموارد الحيوية إلى أدوات ضمن منظومة الحرب، غير أن الحالة السودانية أظهرت امتداد هذا التحول ليشمل الفضاء الرقمي ذاته بما في ذلك خدمات الإنترنت الفضائي وتطبيقات التحويل المالي، ولم يعد هذا التحول مجرد انعكاس لأزمة اقتصادية، بل بات يشير إلى تشكل اقتصاد حرب رقمي تتداخل فيه المصالح المالية مع أدوات السيطرة والنفوذ. إن احتكار أو تقييد الوصول إلى خدمات الاتصال والتحويلات المالية أصبح جزءاً من منظومة أوسع لإدارة الصراع وتغذيته. فمن جهة توفر العائدات المتأتية من بيع خدمات الإنترنت بأسعار مضاعفة، أو من فرض عمولات مرتفعة على التحويلات، مصدر تمويل مهم يستخدم في تغطية كلف الحرب، بما في ذلك شراء المعدات، ودفع الرواتب، وتمويل العمليات اللوجستية، ومن جهة أخرى، فإن تقييد الوصول إلى هذه الخدمات أو رفع كلفتها بصورة كبيرة يشكل أداة ضغط غير مباشرة على المدنيين، بما يعزز من مستويات الاعتماد على الجهات المسيطرة على البنية الرقمية، ويحد من استقلاليتهم الاقتصادية. كما أن هذه الشبكات قد تستخدم في بعض الحالات كأدوات لجمع معلومات حول التدفقات المالية أو حركة الأفراد، بما يخدم أغراضاً أمنية واستخباراتية في سياق الصراع.

2. الآثار الاجتماعية والاقتصادية

تتجاوز تداعيات هذا النمط من “الابتزاز الرقمي” الخسائر المالية المباشرة لتطال البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع على نطاق أوسع. إذ يجد المدنيون أنفسهم في كثير من الحالات غير قادرين على التواصل مع ذويهم أو استلام التحويلات المالية الضرورية للمعيشة أو حتى الوصول إلى المعلومات الأساسية ما يفاقم من حالة العزلة ويزيد من هشاشة الأوضاع الإنسانية. كما يؤدي الارتفاع الحاد في تكاليف الاتصالات والمعاملات المالية إلى إضعاف حركة التجارة المحلية، وإعاقة عمل المشاريع الصغيرة والأفراد، ودفع مزيد من الأنشطة الاقتصادية نحو التراجع أو التوقف، الأمر الذي يفاقم مستويات الفقر والبطالة، وفي موازاة ذلك تتآكل ثقة المواطنين في النظام المصرفي والمؤسسات الرسمية، ما يدفع بعضهم إلى البحث عن قنوات غير رسمية أكثر خطورة وأقل أماناً، وفي المحصلة يساهم هذا الواقع في تعميق الضغوط الاجتماعية، وقد يدفع أعداداً متزايدة من السكان إلى النزوح الداخلي أو الهجرة خارج البلاد بحثاً عن بيئة أكثر استقراراً وأماناً، في ظل تآكل متسارع لمقومات الحياة الاقتصادية والخدمية الأساسية.

الخاتمة: نحو إنهاء السيادة الرقمية المشوهة

لمواجهة هذا التحدي المعقد والمتداخل الأبعاد، تتطلب الأزمة استجابة متعددة المستويات، تشمل الأطراف الدولية، وشركات التكنولوجيا، والسلطات المحلية، مع ضرورة النظر إلى البنية الرقمية كجزء أساسي من منظومة الحماية الإنسانية في مناطق النزاع.

إن ما يمكن وصفه بـ“السيادة الرقمية المشوهة” التي تفرضها أطراف الصراع في السودان على حياة المدنيين، يمثل امتداداً مباشراً لأحد أكثر أوجه الحرب تعقيداً وخفاءً، حيث تتحول التكنولوجيا من أداة للتواصل والإنقاذ إلى وسيلة للهيمنة الاقتصادية والاجتماعية، وفي هذا السياق لا يعود الفضاء الرقمي مجالاً محايداً، بل يصبح جزءاً من بنية الصراع ذاته، يعاد تشكيله وفق موازين القوة على الأرض. إن إنهاء هذا النمط من الابتزاز الرقمي يتطلب استجابة شاملة تتجاوز الحلول التقنية الجزئية، نحو مقاربة دولية ومحلية متكاملة، تمارس ضغطاً فعالاً على جميع الأطراف لوقف استغلال الخدمات الرقمية في تغذية الحرب أو التحكم في حياة المدنيين، وفي نهاية المطاف يبقى ضمان وصول آمن وعادل وشفاف إلى الخدمات الرقمية الأساسية شرطاً جوهرياً لأي مسار يهدف إلى استعادة الحد الأدنى من الاستقرار. فبدون ذلك سيظل المواطن السوداني محاصراً داخل دائرة مزدوجة من الحرب والانقطاع الرقمي ما يجعل إعادة بناء الحياة الفردية والمجتمعية أكثر تعقيداً وبطئاً، وربما مؤجلاً إلى أجل غير معلوم.

دريسة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!