تقارير وتحقيقات

العقوبات الأمريكية تُحاصر الجيش السوداني وتفتح أخطر ملف دولي بشأن الأسلحة الكيميائية وتمويل الحرب

التنوير : تقرير القسم السياسي

 

التنوير : تقرير القسم السياسي 

 

واشنطن تنتقل من الاتهام إلى مرحلة العقوبات الملزمة

دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة والجيش السوداني مرحلة جديدة وأكثر حساسية، بعد إعلان واشنطن حزمة واسعة من العقوبات القانونية والاقتصادية استناداً إلى قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والقضاء على الحروب الكيميائية والبيولوجية لعام 1991، في خطوة تمثل إحدى أكثر الإجراءات الأمريكية تشدداً تجاه السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.

ولا تقتصر هذه الإجراءات على فرض قيود مالية أو تجارية، وإنما تؤسس لعزلة سياسية واقتصادية متزايدة، إذ تربط واشنطن بين استمرار العقوبات وبين استيفاء شروط قانونية صارمة، تشمل تقديم ضمانات بعدم استخدام الأسلحة الكيميائية مستقبلاً، والسماح بعمليات تحقق دولية مستقلة.

ويمثل هذا التطور انتقالاً واضحاً من مرحلة التصريحات السياسية إلى مرحلة العقوبات الملزمة المنصوص عليها في القانون الأمريكي، وهو ما يمنح الإجراءات الجديدة وزناً قانونياً ودولياً يتجاوز العقوبات التنفيذية التقليدية.

قانون الأسلحة الكيميائية يقود أخطر تصعيد أمريكي

استندت وزارة الخارجية الأمريكية إلى أحكام Chemical and Biological Weapons Control and Warfare Elimination Act of 1991، وهو أحد أكثر التشريعات الأمريكية صرامة في مواجهة الدول التي تقرر الإدارة الأمريكية أنها استخدمت أسلحة كيميائية أو بيولوجية.

وأوضحت الوزارة، في إشعار رسمي منشور بالسجل الفيدرالي الأمريكي، أن وزير الخارجية خلص إلى أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024، وأن المهلة القانونية الممنوحة لمعالجة هذه القضية انتهت دون استيفاء الشروط المنصوص عليها في القانون، الأمر الذي يفرض تلقائياً الجولة الثانية من العقوبات الإلزامية.

وبموجب القانون، لا يجوز رفع هذه العقوبات إلا بقرار رئاسي يؤكد أن السودان قدم ضمانات موثوقة بعدم تكرار استخدام تلك الأسلحة، ووافق على إجراءات تحقق مناسبة، واستوفى جميع المتطلبات القانونية.

الشركات والضباط في قلب شبكة العقوبات الجديدة

بالتوازي مع العقوبات القانونية، أعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي (OFAC) إدراج مجموعة من الشركات والأفراد على قوائم العقوبات، باعتبارهم جزءاً من شبكات الإمداد المرتبطة بالمؤسسة العسكرية.

وشملت الإجراءات:

شركة الموانئ الهندسية المحدودة التابعة للحكومة السودانية.

شركة Target Multi Activities Co. Ltd التابعة لهيئة التصنيع الحربي.

شركة SBL Energy Limited الهندية.

مدير شركة Target، الضابط طارق حسين محمد مدني.

الرئيس التنفيذي للشركة الهندية ألوك شودهاري.

وتقول وزارة الخزانة الأمريكية إن هذه الجهات لعبت أدواراً في تصدير واستيراد مادة الكلور التي استخدمت ضمن برنامج تصنيع السلاح الكيميائي.

كما أوضحت أن الشحنات وصلت إلى السودان خلال عامي 2024 و2025 عبر ترتيبات تجارية متعددة، قبل أن تنتهي داخل منشآت مرتبطة بالتصنيع الحربي.

تجميد الأصول وعزل الشبكات المالية العالمية بالكامل

لا تتوقف آثار العقوبات عند حظر التعامل مع الأشخاص والكيانات المدرجة، بل تمتد إلى تجميد جميع الأصول الواقعة داخل الولايات المتحدة أو الخاضعة للولاية القضائية الأمريكية.

كما يُمنع المواطنون والشركات الأمريكية من إجراء أي تعاملات مالية أو تجارية معهم، فيما تتيح اللوائح الأمريكية فرض عقوبات ثانوية على جهات أجنبية تتعامل مع الكيانات المدرجة، وهو ما يرفع تكلفة التعاون معها حتى خارج الولايات المتحدة.

ويعني ذلك عملياً تضييق قدرة هذه الشركات على الوصول إلى النظام المالي العالمي، وصعوبة تنفيذ التحويلات البنكية، والتأمين، والنقل، والتمويل التجاري.

البنك الدولي وصندوق النقد ضمن دائرة الإجراءات الأمريكية

من أخطر ما تضمنه الإشعار الأمريكي إلزام ممثلي الولايات المتحدة داخل المؤسسات المالية الدولية بمعارضة أي قروض أو مساعدات مالية أو تقنية لصالح حكومة السودان.

ويشمل ذلك:

البنك الدولي.

صندوق النقد الدولي.

بنك التنمية الأفريقي.

والمؤسسات المالية متعددة الأطراف الأخرى.

ولا تستثنى من ذلك سوى المساعدات الإنسانية الأساسية أو الحالات التي يسمح بها القانون الأمريكي.

ويمثل هذا البند ضربة مباشرة لأي مساعٍ للحصول على تمويلات تنموية أو برامج دعم اقتصادي أو إعادة إعمار، خاصة في ظل اعتماد كثير من المؤسسات الدولية على التوافق بين كبار المساهمين.

قيود التجارة والطيران توسع دائرة العزلة الاقتصادية

تشمل العقوبات كذلك فرض قيود واسعة على صادرات السلع والتكنولوجيا الأمريكية إلى السودان.

وتخضع المواد ذات الحساسية الأمنية لسياسة تعرف باسم “افتراض الرفض”، بما يعني أن الأصل هو رفض منح تراخيص التصدير، ولا تمنح الاستثناءات إلا في ظروف محدودة ينص عليها القانون.

كما تقرر تعليق أي تراخيص تسمح لشركات الطيران المملوكة أو التي تديرها الحكومة السودانية بتسيير رحلات من الولايات المتحدة أو إليها.

وتبقى بعض الاستثناءات قائمة للمواد الغذائية والمنتجات الزراعية وبعض الإمدادات الإنسانية، بما يتوافق مع الاستثناءات القانونية الأمريكية.

ملف الكيميائي يعيد رسم الضغوط الدولية على السودان

تأتي هذه العقوبات بعد سلسلة من الإجراءات الأمريكية المتدرجة.

ففي يناير من العام الماضي، فرضت واشنطن عقوبات على قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، على خلفية الاتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية.

وفي مايو، أعلنت الولايات المتحدة قيوداً إضافية شملت تقييد الصادرات الأمريكية إلى السودان وفرض قيود على الاقتراض المالي.

كما دعت وزارة الخارجية الأمريكية سلطة بورتسودان إلى الاعتراف باستخدام الأسلحة الكيميائية – وفق الموقف الأمريكي – والتعاون الكامل مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، لمنع أي استخدام مستقبلي.

وفي السياق ذاته، نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن المعرفة ببرنامج الأسلحة الكيميائية كانت محصورة داخل دائرة ضيقة في المؤسسة العسكرية، وأن الإدارة الأمريكية ترى أن استخدام هذه الأسلحة تم بموافقة القيادة العسكرية، وهو ما تنفيه السلطات السودانية.

العقوبات ترسم مرحلة جديدة من الضغوط الاستراتيجية

لا يمكن النظر إلى هذه العقوبات باعتبارها مجرد إجراءات اقتصادية، بل تمثل تحولاً استراتيجياً في طريقة تعامل الولايات المتحدة مع الحرب السودانية.

فواشنطن لم تكتفِ بفرض عقوبات على أفراد أو شركات، وإنما فعّلت قانوناً اتحادياً نادراً يُستخدم في القضايا المرتبطة بالأسلحة الكيميائية، وربطت إنهاء العقوبات بشروط قانونية معقدة يصعب تجاوزها دون تعاون دولي واسع.

وفي المقابل، يبقى تنفيذ هذه الإجراءات مرتبطاً بالموقف الأمريكي الرسمي، بينما تظل الاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية محل رفض من السلطات السودانية، ولم تُحسم بحكم قضائي دولي نهائي.

ومع دخول العقوبات حيز التنفيذ في 20 يوليو، تبدو البلاد أمام مرحلة جديدة من الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية، قد تمتد آثارها إلى التمويل الدولي، والاستثمار، وحركة التجارة، والعلاقات مع المؤسسات المالية العالمية، بما يجعلها واحدة من أكثر حزم العقوبات الأمريكية شمولاً وتأثيراً منذ اندلاع الحرب في السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!