إشكالية توثيق انتهاكات الحرب في السودانه، هل يمكننا تصديق تقارير الأمم المتحدة بعد تصريح البرهان؟
عبد الله محمد آدم

عبدالله محمد ادم
لطالما اعتمدت آليات حقوق الإنسان الدولية، من أمم متحدة واتحاد أوروبي ومنظمات تابعة، على شهادات الأطباء كأدلة قاطعة في توثيق جرائم الاغتصاب والعنف الجنسي في النزاعات، فالتقرير الطبي يُعتبر عادةً الدليل الذهبي الذي لا يقبل الجدل، لكن تصريح قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، بأن بعض الأطباء كانوا يعملون كـمخبرين لصالح قواته بهدف تحقيق انتصارات علي قوات الدعم السريع، يفتح باباً خطيراً للتساؤل،
فهل ما زال بإمكاننا تصديق هذه التقارير الأممية؟
إذا كان الأطباء -أولئك الذين يفترض أنهم نموذج للحياد و الموضوعية- قادرين على التلاعب بالتقارير الطبية و كشف معلومات عن مرضاهم، للإضرار بالدعم السريع أو خدمة الجيش، فكيف يمكن ضمان نزاهة آلاف التقارير التي اعتمدت عليها؟ البرهان لم يقل إن جميع الأطباء متورطون، لكنه زرع بذرة شك كافية لتقويض مصداقية أي تقرير طبي يصدر من السودان و الإشكالية الأعمق هي: لماذا لا يمكن التشكيك في شهادات الضحايا أنفسهم؟
لان المنطق نفسه يقودنا إلى سؤال أكثر إزعاجاً: إذا كانت الحركة الإسلامية -التي يتهمها الكثيرون بالنفاذ العميق في مؤسسات الدولة- قادرة على تجنيد أطباء ليكونوا مخبرين لها، فهل كان من الصعب عليها أيضاً استقدام نساء للإدلاء بشهادات زور بأنهن تعرضن للاغتصاب على يد طرف معين؟ خاصة أن هذه المنظمات الدولية تعتمد في الغالب على تقارير طبية سودانية و شهادات محلية.
وهنا تبرز معضلة منهجية:فالمادة 47 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تتحدث عن “قرينة البراءة”، لكن ضحايا الحرب لا يخضعون لهذه القرينة،لان المنظمات الحقوقية تعمل بمبدأ “الصدق المفترض” لشهادات الضحايا، لكن التاريخ السوداني الطويل في الصراعات يثبت أن توظيف الضحايا لأغراض سياسية ليس مستحيلاً.
فهل لنا من مخرج؟:
الفيلسوف الإسكتلندي ديفيد هيوم قال إن كل المعرفة إما “علاقات أفكار” (كالرياضيات) أو “مسائل واقع” (كالشهادات التاريخية)، وفي مسائل الواقع، نعتمد على مبدأ “التجانس” (Uniformity) فالشهادة تكون صادقة إلا إذا أثبت التاريخ وجود دوافع للكذب،لكن هنا تكمن المشكلة،لان دوافع الكذب موجودة وبقوة، فالحرب في السودان ليست حرباً عادية؛ إنها حرب إبادة وهوية، حيث الأسلحة الإعلامية لا تقل فتكاً عن القنابل و إذا كانت أطراف النزاع قادرة على تجنيد أطباء -أيقونات الحياد- فإن هذا يضعنا أمام حالة غير مسبوقة من أزمة الثقة بالشهادات كافة ولا حل سوى التحقيق المستقل، لا يعني هذا رفض جميع التقارير الأممية، لكنه يعني أن الوقت قد حان لتغيير منهجية التوثيق،اذ لا يمكن قبول أي تقرير طبي سوداني دون تدقيق دولي عميق في هوية الطبيب وعلاقاته السياسية مع أخذ عينات عشوائية من التقارير الطبية و إعادة فحصها من فرق دولية محايدة و عدم الاكتفاء بالتقارير الطبية و شهادات الضحايا كأدلة وحيدة، بل يجب أن تكون جزءاً من منظومة أدلة أوسع تشمل تحليلات مستقلة.
باختصار: ما قاله البرهان ربما لم يكن دليلاً على كذب جميع التقارير السابقة، لكنه كافٍ لتقويض ثقتنا بها، و في أوقات الحرب، الثقة سلاح، فمن يتحكم في الثقة يتحكم في الرواية. والسودان اليوم يحتاج إلى حقائق، لا إلى روايات، مهما كان مصدرها.



