رأي

عندما تبتسم الدول وهي تسقط… السودان بين وهم 1956 وسؤال التأسيس الأخير

دكتور صلاح بندر

 

دكتور صلاح بندر 

“الأمم لا تموت حين تُهزم… بل حين تفقد سبب وجودها.”

في الظاهر، تبدو الدول وهي تمارس حياتها بشكل طبيعي: مؤسسات تعمل، أعلام ترفرف، وخطابات رسمية تتحدث بثقة عن المستقبل. لكن التاريخ يخبرنا بحقيقة أكثر قسوة: الدول لا تموت حين تمرض، بل تموت وهي تبتسم.

هذه ليست مبالغة أدبية، بل قاعدة تاريخية تتكرر بلا استثناء. فالدولة، بخلاف الفرد، لا تُعلن انهيارها مسبقًا، بل تُخفيه خلف مظاهر القوة. روما لم تسقط لأن البرابرة كانوا أقوى، بل لأنها فقدت سبب كونها “روما”. حين صار الخبز أهم من الفضيلة، والعرض أهم من الرسالة، كانت النهاية قد كُتبت بالفعل، حتى وإن تأخر تنفيذها.

الأمر ذاته يتكرر في بغداد. لم يكن هولاكو أعظم من هارون الرشيد، ولم تكن جيوشه أقدر من حضارة صنعت بيت الحكمة وأضاءت العالم. لكن بغداد سقطت يوم فقدت معناها، يوم صار الفقيه يُفتي للسلطان، والشاعر يمدح للمتعة، والسيف يُعلّق للزينة. حينها، لم يكن الغزو سبب السقوط، بل مجرد لحظة إعلانه.

وفي قرطبة، لم يكن العدو الخارجي هو من أنهى الأندلس، بل الانقسام الداخلي. حين قال كل ملك طائفة “أنا الدولة”، لم تعد هناك دولة أصلًا. هناك فقط شظايا تنتظر من يلتهمها. فالدول لا يقتلها الغزو، بل يقتلها أن يرى الأخ أخاه عدوًا.

هذه السنن التي قرأها ابن خلدون في “العمران”، وفككها أرنولد توينبي في “التحدي والاستجابة”، وأعاد مالك بن نبي صياغتها في شروط النهضة والسقوط، ليست حكايات ماضية، بل مفاتيح لفهم حاضرنا.

ومن هذه الزاوية، لا يمكن قراءة الحرب السودانية بوصفها مجرد صراع عسكري أو مأساة إنسانية، رغم فداحة الدم والخراب والنزوح. إنها، في جوهرها، لحظة اختبار حضاري مكتملة الأركان.

ابن خلدون يرى أن الدول تمر بدورة: نشوء، قوة، ثم وهن وانحلال. وتوينبي يربط بقاء الحضارات بقدرتها على تحويل التحديات إلى طاقة إبداعية. أما مالك بن نبي فيذهب أبعد من ذلك، ليؤكد أن السقوط لا يُفرض من الخارج فقط، بل يبدأ من الداخل، حين تفقد المجتمعات شروط الفاعلية، وتتحول من صانعة للتاريخ إلى منتظرة له.

السودان اليوم يقف عند تقاطع هذه النظريات جميعًا. فالدولة التي تشكلت منذ 1956 تبدو وكأنها بلغت نهاية دورة تاريخية، أو على الأقل لحظة مراجعة حاسمة. الحرب لم تخلق الأزمة، بل كشفتها. عرّت أوهامًا طالما تم التعايش معها: وهم الدولة المركزية القادرة وهي خاوية، وهم النخبة التي تتحدث باسم الشعب وهي معزولة عنه، ووهم الشعارات التي ترتدي ثوب الثورة أو الحداثة أو الهامش، لكنها تعيد إنتاج الاستبداد نفسه.

هنا، يصبح السؤال أكبر من الحرب:

هل نحن أمام نهاية دولة، أم أمام بداية تأسيس؟

الإجابة لا تُحسم في ميدان القتال، بل في ميدان الفكرة. فالدول لا تسقط حين تُهزم جيوشها، بل حين تنهزم فكرتها. حين يتحول القاضي إلى تاجر، والجندي إلى مرتزق، والمعلم إلى موظف، والوطن إلى فندق مؤقت.

وفي هذا السياق، فإن استدعاء “دولة 1956” لا ينبغي أن يتحول إلى شماعة لكل الفشل، كما لا ينبغي أن يُقدّس كأنه نموذج مكتمل. فالنقد التاريخي لا يكون بهدم الفكرة، بل بإعادة بنائها. الأمم لا تنهض بإنكار تاريخها، ولا بتقديسه، بل بامتلاك الشجاعة لمراجعته دون أن تفقد حقها في الاستمرار.

وهنا يتجلى الاختبار الحقيقي للمجتمع السوداني:

هل ينزلق إلى خطاب الكراهية والتشظي والثأر؟

أم يحوّل الألم إلى وعي، والخراب إلى درس، والمحنة إلى بداية جديدة

العالم من حولنا يقدم نماذج موازية. قوى كبرى قد تبدو في أوجها، لكنها تحمل في داخلها بذور التآكل: انقسامات داخلية، فقدان المعنى، وتآكل العدالة. والتاريخ، كما يقول، لا يعاقب الضعفاء فقط، بل يعاقب من يظن نفسه استثناءً.

لذلك، فإن أخطر لحظة في عمر أي دولة ليست لحظة الضعف، بل لحظة الغرور. حين تصدّق أنها لن تسقط.

هذه هي اللحظة التي يكتب فيها “الطبيب الشرعي” تقريره، حتى وإن تأخر إعلان الوفاة.

السودان اليوم ليس مجرد ساحة حرب، بل مرآة تعكس سؤالًا إنسانيًا قديمًا: كيف تسقط الدول؟

والأهم: كيف يمكن أن تولد من جديد؟

الجواب لا يكمن في استعادة الماضي كما هو، ولا في هدمه بالكامل، بل في إعادة تأسيس فكرة الوطن نفسها: وطن يعترف بتنوعه، يوزع السلطة بعدل، ويصنع من ذاكرته قوة لا عبئًا.

فالسقوط، كما يقول التاريخ، لا صوت له.

لكن النهوض… يحتاج إلى إرادة تسمع ما لا يُقال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!