
هشام محمد شريف
(صوت من هامش المركز وهامش الهامش)
جاءني ذلك الاتصال الموارب، يحمل في طياته هواجس “المركز” وظنونه الآثمة، ليؤكد لي بلهجة الواثق أنني
لست مجرد متابع أو مهموم، بل “قائد كبير” في قوات الدعم السريع.
لم يكن المتصل يبحث عن حقيقة، بل
كان يدمغ صك اتهام جاهز، استند فيه إلى “جريمة” لم أخترها يومًا، وهي انتمائي الاثني والجغرافي . في تلك اللحظة، أدركت بعمق مرير أن الحرب في بلدي قد تجاوزت ميادين الرصاص لتستقر في خنادق “الجهوية” الضيقة، حيث يصبح اسم الجغرافيا دليلا قاطعًا على الموقف السياسي، وتصبح السحنة بطاقةهوية عسكرية.
أنا ابن الخرطوم، الذي تفتحت عيناه على ضجيج “السوق العربي” حين كان “برج البركة” مجرد فكرة في رحم الغيب، وقبله كانت الساحة مدرسة تعج بالحياة. أنا من جيل “نادي ناصر الثقافي” و”سينما كلوزيم”،
جيٌل شرب من نيل العاصمة حتى ارتوى، وظن أن “المدنية” ثوٌب يسع الجميع. ولكن، حين دقت طبول
الحرب، جردني “المركز” من تاريخي المدني الطويل، وحصرني في إطار “البداوة” التي يراها تهمة، فكان
ردي الذي لا اتردد: إن كان الانتماء ألى اهلي تهمة، فهي تهمة لا أنفيها، وإن كان القتل والتنكيل “شرفًا” يّدعيه
البعض، فهو شرٌفا لا أّدعيه.
لقد اجتهدُت، والشهود أحياء، منذ تكوين قوات الدعم السريع وحتى انفجار الرصاصة الاولى، في الوصول إلى
قياداتها. لم أكن أبحث عن منصب أو مغنم، بل كنت أحمل في جرابي “المعرفة المتراكمة” حول ما أسميه
“الحركة الميكانيكية للمركز”. أردت أن أقول لهم: “احذروا، فإن المركز الذي صنعكم، يملك في أدراجه
شهادات وفاتكم قبل أن تولدوا”. لكن سبق السيف العزل، ولم تجد نصائحي آذانًا صاغية، فاستمرت الماكينة
في الدوران، تبتلع أبناء الهامش لتصنع منهم وقودًا لحروبها، ثم تبصقهم حين ينتهي دورهم.
إن المتأمل في تاريخ السودان السياسي يدرك نمطًا متكررًا لا يخطئه الا أعمى البصيرة. المركز، بيده اليمنى
“الجيش”، دأب على صناعة “الوكلاء” من أبناء القبائل لمواجهة التمردات في الاطراف. رأينا ذلك في
“المراحيل” الذينُ سّلحوا في الثمانينيات لقمع الحركة الشعبية، وفي “حرس الحدود” الذين اسُتخدموا كدروع بشرية، وفي قوات “أم باقة” الذين كانوا يؤّمنون القطار الصاعد من بابنوسة إلى واو، يواجهون الموت في
الغابات ليظل شريان المركز نابضًا. هؤلاء الرجال هم الذين استعادوا “راجا” و”ديم زبير”، وهم الذين خاضوا
ملحمة “هجليج” بصدور عارية، وحين وضعت الحرب أوزارها،ُنسيت تضحياتهم، وُصنفوا كـ “مليشيات” خارجة
عن القانون.
التغرير الكبير: حين يصنع الوحش ثمُ يطلق عليه الرصاص
إننا على قناعة تامة، قناعة بنيناها من شواهد التاريخ ومن قراءة متأنية لمسار الاحداث، أن قوات الدعم
السريع قدُغرر بها تغريرًا ممنهجً
ان ماينسب إليها اليوم لم ينبت من فراغ، بل هي صنيعة النظام
نفسه الذي زرع أذرعه وعيونه داخل هذه القوات منذ لحظة تكوينها. إنه النظام الذي أشرف على بنائها، ووقف
على تدريبها، وغرس في صفوفها عناصره التي تعمل لحسابه لا لحساب القوات وليس لحساب أهلها. فحين يريد
النظام أنُ يشّوه صورة قوٍةما، يكفيه أنُ يطلق أذرعه الكامنة فيها لترتكب ما يشاء من الاهوال، ثم يقف هو
في موقف “البريء” الذي يشير بإصبع الاتهام.
والادهى من ذلك، أننا نعتقد جازمين أن من بدأ هذه الحرب هو النظام نفسه. فحين أحّس أن هذه القوات قد
بدأت تميل نحو الثورة والتغيير، وأنها قد تصبح رافعة لمشروع مدني ديمقراطيُ ينهي عقودًامن هيمنته، قرر ان يضرب قبل أنُ يضرب.
إنه المنطق ذاته الذي حكم سلوك المركز عبر التاريخ: حين تخرج الاداة عن الطاعة، الى
أداة تحرر، ولن يقبل أن يصبح “العبد” سيدًا، حتى لو كان الثمن خراب السودان بأكمله.
لا يهم أن تحترق البلد بأسرها، المهم ألا يفلت الزمام.
فالنظام لا يحتمل أن تتحول قوة صنعها بيده إلى قوة تحرر مما صنعوا
إلى الذين يتهموننا اليوم بالانتماء للدعم السريع، أقول:
أنتم من أسس هذه القوات، وأنتم من صاغ قوانينها في
برلمانكم عام 2017، وأنتم من وفر لها الغطاء التشريعي والمالي. وأنتم من زرعتم فيها أذرعكم التي ارتكبت
ما ارتكبت لتشويه صورتها حين أردتم التخلص منها.
وحين شعرتم أن هذا المارد بدأ يتسرب من بين أصابعكم،
وأنه قد يصبح أداة تغيير حقيقي لصالح الثورة، انقلبتم عليه وأشعلتم الحرب. لم تكتفوا بمحاربته عسكريًا، بل
عمدتم إلى تشويه السمعة، ووصفتم مقاتليه بـ “الاجانب” و”أم كعوعات”، متناسين أنكم “من جند ودرب”
الذين استخدمتموهم لعقود في حروب الوكالة.
إنها حرب جهوية بامتياز،ُيعاقب فيها الانسان على “جغرافيا
ميلاده” لا على “فعل يده”.
أما رسالتي لقوات الدعم السريع، فهي رسالة العاتب والمكلوم. لقد بح صوتنا نصحًا، وحاولنا جاهدين أن
نريكم وجه الحقيقة، لكنكم استغنيتم بـ “قوتكم” عن “حكمتنا”. واليوم، والحرب تأكل الاخضر واليابس،
أذكركم بالمثل الشعبي السوداني العظيم: “اخوك كن بقا دابي لفا في نصك”. ليس هذا دعوة
للتمادي في الباطل، بل هو تذكير بقدسية “الرحم” وواجب القربى في أحلك الظروف.
إن حواضنكم
الاجتماعية، من البسطاء والرعاة في دارفور وكردفان والخرطوم وسنار والدندر والجزيرة ، هم الذين يدفعون اليوم ثمن هذه الحرب.ُ ضربوا في بيوتهم واسواقهم ومستشفياتهم ومياههم
طردوا من
بيوتهم، وُنهبت أموالهم، وُوصموا بالارهاب، ومنع عنهم الغذاء والدواء لا لشيء إلا أنهم “أهلكم”.
نحن مع قضايا الهامش، مع العدالة، مع التنمية المتوازنة، ومع السودان الذي لا يفرق بين ابن “البحر” وابن
“الهامش”. لكن هذا الانتماء المبدئي لا يعني أبدًا الموافقة على كل ما يحدث، ولا يعني الصمت على الانتهاكات والكيماوي الذي ظل يضرب حتى هذا اليوم .
إننا نقف في منطقة وسطى، مؤلمة وقاسية، بين مطرقة “مركز” لا يرى فينا الا أدوات، وسندان “قوات” لم
تستوعب بعد أن الحق لا يؤخذ الا بالحق.
ستنتهي هذه الحرب يومًا، وسيجلس الجميع على طاولة واحدة، لكن الجرح الذيُ فتح في نسيجنا الاجتماعي
يحتاج إلى أجيال لتضميده.
وحتى ذلك الحين، سنظل نحمل “تهمتنا” بفخر، وننفي عن أنفسنا “شرفًا” لم نطلبه؛ متمسكين
بسودانيتنا التي لا تقبل القسمة على قبيلة أو جهة.




