
حسن النعمان
ليس ما يحدث عبثًا، ولا هو سوء تقدير عابر؛ بل هو إصرارٌ فجّ على إنعاش جثةٍ سياسيةٍ تعفّنت منذ عقود.
دولة 56 لم تعد كيانًا يُصلح، بل أصبحت عبئًا تاريخيًا يُقاتل أصحابه للحفاظ عليه، لا لأنه صالح، بل لأنه يضمن لهم استمرار النهب، والسلطة، وشرعنة الظلم.
هؤلاء لا يدافعون عن وطن، بل عن غنيمة.
ولا يخشون السقوط، بل يخشون العدالة.
المفارقة التي تثير الغضب لا الدهشة، أن أصوات الدعاء تعلو في المساجد طلبًا للنصر، وكأن السماء تُخدع بالشعارات. أي نصرٍ يُطلب فوق جماجم الأبرياء؟
وأي دعاءٍ يُرفع وأيدي أصحابه ملوّثة بما يكفي لإسكات الضمير؟
إنها ليست عبادة، بل محاولة لتجميل القبح بغطاءٍ دينيٍّ مهترئ.
لقد عَرَف الناس الحقيقة، لكنهم اختاروا الهروب منها.
يعلمون أن الظلم قديم، متجذّر منذ لحظة التأسيس، ومع ذلك يصرّون على تكرار الخطيئة ذاتها، جيلاً بعد جيل. سرق الآباء، فبرّر الأبناء، ثم جاء الأحفاد ليطلبوا البركة لما لا يُبارك.
أما أكثر المشاهد سخريةً، فهو صعود أولئك الذين كانوا بالأمس أعداءً، فإذا بهم اليوم قادة الصفوف. لا لأنهم تغيّروا، بل لأن المنظومة لا تعيش إلا على التناقض. وهكذا، تبعهم الناس بلا وعي، حتى صار الحرام نظامًا، والفساد ثقافة، والخيانة وجهة نظر.
ثلاث سنوات من الانهيار لم توقظ أحدًا.
اجتماعاتٌ، وسفرٌ، وصفقاتٌ، واستقواءٌ بالخارج، وشراءٌ للذمم—كل ذلك من أجل إعادة تدوير وجهٍ سياسيٍّ انتهى فعليًا. من يراهن على إحياء ما مات، إنما يعلن إفلاسه الأخلاقي قبل السياسي.
لن تعود الحياة إلى الصنم .
ولو اجتمعوا له من كل حدبٍ وصوب.
وفي الخارج، تتكشّف فضيحةٌ أخرى: جالياتٌ هربت من جحيم هذا الواقع، طلبت اللجوء باسمه، ثم عادت لتدعمه. يجمعون الأموال تحت لافتاتٍ إنسانية، لكن طرقها معروفة، وغاياتها مكشوفة، وانحيازها فاضح.
إنها نفس العقلية التي قسمت البلاد، تُعاد تصديرها بواجهةٍ أوروبية.
والأشد انحدارًا، أن بعض من يُفترض أنهم صوت الضمير—أطباء وعاملون في العمل الإنساني—اختاروا الاصطفاف مع القبح. رأوا الدم، وسمعوا الصراخ، وعرفوا الحقيقة، ثم قرروا أن يكونوا شهود زور. لا لأنهم يجهلون، بل لأنهم تخلّوا عن أبسط معاني الإنسانية.
هذه ليست أزمة عابرة، بل انهيارٌ في القيم.
حين يصبح الظلم وجهة نظر، والقتل خبرًا عاديًا، والنهب حقًا مكتسبًا، فاعلم أن الدولة لم تعد دولة، بل آلةً لإعادة إنتاج الخراب.
لكن ما لم ينتبهوا له، أن الزمن تغيّر.
الحقيقة لم تعد تُخفى، والوعي لم يعد حكرًا على أحد.
الهاتف الذي في يد أبسط شاب، أسقط رواياتٍ كاملة، وكشف زيفًا امتد لعقود.
أبناء الهامش الذين استُضعفوا، أصبحوا اليوم أكثر فهمًا، وأكثر قدرةً على كسر الحلقة.
ينظرون إلى الشباب في الميادين ولا يفهمون:
أن جيلًا جديدًا وُلد، لا يخاف، ولا يُخدَع، ولا يقبل أن يكون وقودًا لمعارك غيره.
أفلا يعقلون؟




