رأي

بين التهديد والدبلوماسية… مؤتمر خارجية بورتسودان يثير أسئلة أكثر مما يقدّم إجابات

عماد جدو

 

عماد جدو

في مشهد يعكس حجم الارتباك الذي تعيشه السلطة في بورتسودان، جاء المؤتمر الصحفي الذي نظمته وكالة السودان للأنباء (سونا) ليكشف عن تناقضات حادة في الخطاب الرسمي، ويثير جدلًا واسعًا حول طبيعة إدارة الأزمة السياسية والعسكرية في السودان.

قبل أن يعتلي ما يُعرف بوزير خارجية سلطة بورتسودان المنصة، استمع الصحفيون إلى إفادات الناطق الرسمي باسم ما وُصف بـ”مليشيات الجيش”، الذي قدّم رواية مثيرة للجدل بشأن الغارات الجوية التي استهدفت العاصمة الخرطوم وبعض المنشآت العسكرية في أم درمان.

الرواية نسبت الهجمات إلى إثيوبيا، باستخدام طيران “مستأجر” من الإمارات العربية المتحدة.وهي سردية بدت، في نظر كثيرين، محمّلة بتناقضات يصعب التوفيق بينها سياسيًا وعسكريًا.

لكن ذروة المؤتمر جاءت مع حديث وزير الخارجية، الذي اتسم بنبرة تصعيدية حادة، تجاوزت حدود اللغة الدبلوماسية التقليدية. فقد لوّح الوزير باستدعاء السفير السوداني في أديس أبابا للتشاور، مهددًا في الوقت ذاته بإدراج إثيوبيا ضمن شكوى رسمية إلى المنظومة الدولية، إلى جانب الإمارات.

ولم يتوقف الخطاب عند هذا الحد، بل حمل تهديدات مبطنة تتعلق باستقرار منطقة شرق ووسط أفريقيا، حيث أشار الوزير إلى أن سلطته “تمد يدها” لاستقرار الإقليم، في مقابل تحذيرات من أن تجاهل موقفها قد يقود إلى “قلب الطاولة” ودفع المنطقة نحو عدم الاستقرار.

هذا الطرح يفتح باب التساؤل حول منهجية إدارة العلاقات الخارجية في لحظة شديدة الحساسية. فمن الناحية الدبلوماسية، يُفترض أن تسبق مثل هذه التصريحات خطوات إجرائية واضحة.أبرزها التحقق من المعلومات عبر القنوات الرسمية، والاستماع إلى السفير المعني قبل إعلان مواقف تصعيدية قد تترتب عليها تداعيات إقليمية خطيرة.

الأزمة هنا لا تتعلق فقط بمحتوى التصريحات، بل بطبيعة الخطاب ذاته، الذي يعكس—بحسب مراقبين—نزعة نحو التصعيد بدلًا من البحث عن مخارج سياسية. وهو ما يتقاطع مع سياق أوسع من التعقيدات التي تحيط بالحرب الدائرة في السودان، حيث تتبادل الأطراف الاتهامات، بينما تتعثر المبادرات الرامية إلى وقف النزاع.

في هذا الإطار، يرى منتقدو السلطة أن الإصرار على خطاب المواجهة، ورفض المبادرات السياسية، يعمّق من معاناة البلاد ويدفع نحو مزيد من التدهور. كما يشيرون إلى أن تحميل أطراف خارجية المسؤولية، دون تقديم أدلة واضحة أو اعتماد مسار دبلوماسي متماسك، قد يضر بمصداقية الدولة ويزيد من عزلتها.

في المقابل، يغيب عن المشهد خطاب يعترف بالمسؤولية السياسية عن استمرار الحرب، أو يقدّم رؤية واقعية لإنهائها. وهو ما يجعل مثل هذه المؤتمرات أقرب إلى منصات لتبادل الاتهامات، بدلًا من أن تكون أدوات لإدارة الأزمة بحكمة واتزان.

في النهاية، يكشف مؤتمر بورتسودان عن معضلة أعمق من مجرد تصريح أو تهديد—إنها أزمة قيادة وخطاب، حيث تتداخل السياسة بالعسكرة، وتغيب الحسابات الدقيقة لصالح لغة الانفعال. وبين هذا وذاك، يبقى السودان هو الخاسر الأكبر في معركة لم تتضح بعد ملامح نهايتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!