
مهدي عبدالله حامد
عند أهل القانون، الاعتراف هو سيد الأدلة، ولهذا، فلعل الحقيقة التي ظلت حبيسة الصدور والمخبوءة خلف جدران الكتمان لسنوات طوال قد تجلت في أبهى صورها الصادمة، حينما أطل القيادي الإسلاموي “أمين حسن عمر” عبر شاشة قناة الجزيرة مباشر في برنامج “ساعة في العالم” بتاريخ الرابع من مايو من العام الجاري ٢٠٢٦م ليطلق رصاصة الرحمة على ما تبقى من أوهام “قومية ومهنية الجيش” إذ جاء حديثه ليؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن المؤسسة العسكرية في السودان قد تم اختطافها بصورة ممنهجة، لتتحول من حامية للتراب والسيادة إلى جناح عسكري لتنظيم سياسي اسلاموي، فإذا كان الجندي من “العريف فما فوق” ينتمون للحركة الإسلامية وفق هذا الاعتراف الذي تحدث به أمين عمر للإعلام، فبأي منطق يتمشدق البرهان عن حياد المؤسسة..؟ وبأي وجه يقابل العالم بادعاء المهنية..؟ إنها لحظة كاشفة أسقطت الأقنعة وأبانت أن “السيف لا يقطع في يد الجبان” ولكنه يصبح وبالا على أهله إذا ما حازه من يرهن ولاءه لغير الوطن.
الآن وقد “شهد شاهد من أهلها” وهو اعتراف يضع المجتمع الدولي والقوى الوطنية أمام مسؤولية تاريخية لا تقبل التأجيل لأن الحقيقة التي أظهرت وجهها القبيح اليوم تفرض علينا ألا نكتفي بالإدانة، بل بانتزاع الحق في جيش مهني لا يعرف الانتماء إلا للوطن، ولا يدين بالولاء إلا للشعب فالسلطة التي تستند إلى جيش “مؤدلج” هي سلطة غاشمة، والجيش الذي يفتخر بتبعيته لتنظيم هو جيش فاقد للبوصلة والأخلاق العسكرية.
وقديمًا قيل “لا يصلح العطار ما أفسده الدهر” وبالمثل، فلا يمكن إصلاح جيش اعترف منظروه بأنه مؤدلج حتى النخاع عبر عمليات تجميلية بسيطة، إذ إن حديث أمين حسن عمر يمثل “البينة الكافية” لإثبات أن الأزمة السودانية ليست أزمة حكم فحسب، ولكنها أزمة في أدوات الحكم التي تم تدجينها، وكما ان هذا الكشف التاريخي يضعنا أمام تحدي وطني لا يقبل أنصاف الحلول، وذلك أن “من استرعى الذئب فقد ظلم” وتفويض مؤسسة تدعي حماية الدستور وهي تضمر الولاء للتنظيم لهو قمة الظلم للذات الوطنية، إذ إن اعتراف أمين حسن عمر بأن الانتماء للحركة الإسلامية داخل صفوف الجيش هو “مصدر فخر” يمثل إعلانا صريحا بوفاة العقيدة الوطنية الجامعة، واستبدالها بعقيدة إقصائية لا ترى في الآخر إلا عدوا أو هدفا للتصفية، فكيف يأتمن المدنيون العزل على أرواحهم مؤسسةً يقر قادتها ومنظروها بأنها حزب سياسي مسلح..؟ وكما قيل في الأثر “إذا فسد الملح فبماذا يملح..؟” فإذا فسدت عقيدة حامي الديار، صار هو الخطر الذي يهدد الديار، وصار لزاما علينا أن نتساءل هل نحن أمام جيش للسودان أم جيش لتمكين السلطة وإعادة إنتاج الاستبداد؟
وبهذا، تتجلى خطورة هذا النهج المؤدلج في كونه الوقود الحقيقي لكافة الحروب والأزمات التي فتكت بجسد الأمة، فالمؤسسة العسكرية حينما تتخلى عن ثوبها القومي، تصبح أداة لقمع المخالفين سياسيا، وتتحول ساحات القتال من حماية الحدود إلى قهر المواطنين في القرى والمدن، فلن يستقيم حال السودان طالما أن عوده العسكري مائل نحو أجندة تنظيمية ضيقة، وهنا يبرز المنطق الرصين ليخبرنا بأن “من أمن العقوبة أساء الأدب” ومن أمن المحاسبة التاريخية تجرأ على تدمير أسس الدولة الوطنية، فإذا كان الجيش حزبا سياسيا بزي عسكري، كما يستشف من منطق أمين حسن عمر، فإننا أمام كيان فاقد للشرعية المهنية والقانونية لأن الجيوش في النظم الديمقراطية والمحترمة تُبنى على عقيدة حماية الدستور وصيانة التراب الوطني، لا على البيعة لمرشد أو تنظيم، وقد جاء هذا الاعتراف لينسف تماما فكرة “القومية” ويؤكد أن كافة الحروب العبثية التي مزقت وجدان البلاد كانت تنطلق من دوافع “تمكينية” لا وطنية، مما يجعل الحديث عن “حماية المدنيين” نكتة سمجة في سياق مؤسسة يقر قادتها الفكريون بأن ولاءها الأول والأخير هو للتنظيم.
فالتاريخ يعلمنا أن “من زرع الريح حصد العاصفة” وأدلجة الجيش هي البذرة الخبيثة التي أثمرت كل هذا الدمار، حيث صار الجيش طرفا في الصراع لا حكما فيه، ومصدرا للقلق لا طمأنينة معه، فإذا كان اعتراف أمين حسن عمر قد أزاح الستار عن حقيقة “الجيش التنظيمي” فإن المسؤولية تقع الآن على عاتق كل وطني شريف للعمل على فك هذا الارتباط المشبوه، فالسودان لا يحتمل مزيدا من المغامرات الأيديولوجية بزي رسمي، ولا يقبل أن تكون مدافع الوطن موجهة إلى صدور أبنائه خدمةً لمشروع سياسي أثبتت الأيام فشله الذريع في إدارة الدولة وعدم حفظ تماسكها، فإننا أمام لحظة مواجهة مع الذات، فإما جيش وطني جديد للجميع أو فوضى تبتلع الجميع.
والحقيقة مهما توارت خلف دخان المدافع، فإنها لا بد يوما أن تشرق، وما اعتراف أمين حسن عمر الأخير إلا حلقة في سلسلة طويلة من كشف الحقائق، وهو يعيدنا إلى ذات المربع الذي طرحه في برنامج “ساعة في العالم” عام ٢٠٢٣م عبر الجزيرة مباشر، حينما حاول التملص من المسؤولية، لكنه اليوم يعود ليؤكد أن الحركة الإسلامية والجيش وجهان لعملة واحدة، فإذا كان الجيش “مصدر فخر” لأنه إسلامي، فإن الوطن صار مصدر ألم لأنه بلا حامٍ حقيقي، وعليه فإن تأسيس الجيش الوطني الجديد هو المخرج الوحيد من نفق التبعية المظلم، ليكون جيشا لا يعرف غير السودان وطنا، ولا يرفع سوى رايته، مؤمنا بأن “العدل أساس الحكم” وأن قوة الجند في انتمائهم لشعبهم لا لتنظيماتهم، فهذا هو العهد الذي ننشده، وهذا هو الطريق الذي لا بديل عنه لاستعادة كرامة الدولة وسيادة الدستور.




