
مجدي محمد مصطفى ماكن
قبل أيام أطلق الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش السوداني، تصريحاً عابراً في ظاهره، لكنه زلزال من الدلالات في باطنه: أشار فيه إلى أن أطباء داخل مستشفيات الخرطوم يعملون لصالح الاستخبارات العسكرية وقدموا معلومات و معاملات مهمة للجيش.
جملة واحدة، لكنها كافية لفتح باب سؤال مخيف لم يُطرح بصراحة كافية بعد: هل تحولت مستشفيات السودان إلى مختبرات موت صامتة؟
شبح قديم بوجه جديد
قبل أن نغوص في تصريحات قائد الجيش، لا بد من استدعاء شبح تاريخي يسكن أرشيف الجرائم الإنسانية الكبرى: إنه “مشروع الساحل” (Project Coast)، البرنامج السري لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، الذي أسسه طبيب القلب ووتر باسون الملقب ب — “دكتور موت” — عام 1981 بتفويض و تمويل مباشر من وزارة الدفاع.
لم يكن مشروع الساحل مجرد برنامج للأسلحة الكيميائية.
كان شيئاً أكثر قتامة و إجرامًا: مشروع لتوظيف العلم أداةً للإبادة الهوياتية.
طوّر المشروع سموماً تُحقن في الطعام، ومخدرات لتفكيك المجتمعات السوداء، وصولاً إلى أبحاث ما يسمى ب “القنبلة السوداء” — و هو لقاح (عُقم سري) يُعطى للنساء السود دون علمهن. كل هذا كان يجري خلف واجهة شركات مدنية و منظمات مجتمع مدني وكادر علمي يرتدي البالطو الأبيض.
كشفته لجنة الحقيقة والمصالحة عام 1998. لكن ما لم تكشفه اللجنة هو أن الفكرة لم تمت في بريتوريا.
السودان: النسخة السائلة من وحش مشروع الساحل!
الفارق بين جنوب أفريقيا والسودان ليس في العقيدة، بل في الأسلوب. نظام الفصل العنصري كان “صلباً” علنياً: مختبرات معزولة، عقود موثقة، شركات واجهة معروفة. هذه الصلابة المؤسسية هي بالضبط ما جعل كشفه ممكناً وأدانته تاريخياً.
السودان يعمل بمنطق مختلف تماماً: منطق الدولة السائلة. لا مختبر مكتوب عليه “أسلحة كيميائية”، وربما برنامج سري له ميزانية مستقلة من المال المجنب لصالح منظومة الصناعات الدفاعية. و كلكم يذكر طائرة المخدرات التابعة للتصنيع الحربي مع ذلك، يُذيب النظام أدواته “الإبادية” داخل مؤسسات الدولة بما فيها المدنية ذاتها: مصانع الأدوية، والمجمعات الصناعية، وأخيراً المستشفيات. هذه السيولة ليست ضعفاً تنظيمياً، بل هي درع استراتيجي يجعل الإدانة الدولية شبه مستحيلة.
ثلاثة مواقع تلخّص هذه البنية: مجمع اليرموك الصناعي الذي تشير التقارير إلى أنه كان أكثر من مصنع ذخيرة عادية، ومصنع الشفاء الذي قصفته الولايات المتحدة عام 1998 بسبب آثار مادة سلائف لغاز الأعصاب VX، ومنشآت أبحاث في ضاحية كافوري لم تُفتح صناديقها السوداء بعد.
خارطة العار: حين تتبع الأسلحة الهوية
الدليل الأكثر إدانةً ليس في المختبرات، بل في الخارطة الجغرافية. كل حوادث الاستخدام الموثق للأسلحة الكيميائية في السودان، منذ حرب جنوب السودان في التسعينيات وصولاً إلى جبل مرة عام 2016 التي وثّقتها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، تتبع خارطة هوياتية دقيقة: الزغاوة، المساليت، الفور، النوبة، الدينكا و أخيراً عرب البوادي. هذه الأسلحة لا تُستخدم ضد جيوش نظامية، بل ضد حواضن مجتمعات بعينها.
هذا ما نُسميه “الإفراغ الجغرافي”
الهدف ليس الانتصار العسكري، لأن ذلك مستحيل بأي معيار منطقي او عسكري، بل الهدف هو جعل الأرض غير قابلة للحياة للأجيال القادمة — تسميم الآبار، تدمير التربة، وإصابة النساء بأمراض مزمنة. إنها “القنبلة السوداء” بنسختها (الجلابية) .
المستشفى كسلاح: حين يسقط القناع الأخير
ما يجعل تصريح البرهان خطيراً بشكل استثنائي هو أنه لا يتهم أفراداً، بل يكشف عن عقيدة مؤسسية: المستشفى لم يعد حيادياً. حين يتحول الطبيب إلى عين استخباراتية أو أداة لفرز الجرحى هوياتياً، أو قتلهم بالإهمال أو التسميم، يصبح المستشفى امتداداً طبيعياً للماكينة الحربية، لا استثناءً محمياً بالقانون الدولي الإنساني.
هذا بالضبط ما فعله “دكتور الموت” في جنوب أفريقيا، لكنه فعله في مختبرات معزولة. بينما في السودان، يجري داخل مستشفيات تضم أبرياء، وجرحى، وأطفالاً.
الصمت الذي يقتل أيضاً
لكن الجريمة لا تكتمل بالجلاد وحده. هناك طرف ثالث يُغفله الخطاب السائد: انه المتواطئ الصامت. ذلك المثقف ابن المركز الذي يحمل خطاباً حقوقياً في المهجر، و يعيش بهوية مزيفة يدعي أنه ضحية الجيش، و أنه إبن الهامش، لكنه يدعم مؤسسة عسكرية ترفض تسليم المتهمين بإبادة الفور الذي يدعي زورا انه منهم.
الكادر الشيوعي، المتخفي داخل منظمات المجتمع المدني، الذي تحوّل مستشاراً لجنرال يرفض وقف الحرب دعما للحركة الإسلامية الإرهابية.
منضمات المجتمع المدني، التي تُغلق ملف العدالة و الحرية و السلام حين يتعارض مع تحالفاتها مع جيش الإبادة الجماعية
هذا التواطؤ الهوياتي ليس استثناءً، بل نمط ممتد عبر أطياف واسعة من النخب السودانية في الداخل والخارج. وكما أثبتت تجربة جنوب أفريقيا، لا محاسبة حقيقية ممكنة دون مواجهة هذا الصمت المُنتَج بالاسم.
ماذا يجب أن يحدث؟
المطلوب من حكومة تأسيس ليس بياناً حقوقياً إضافياً. المطلوب العمل على:
أولا ً: بروتوكول دولي جديد لتوثيق آثار الأسلحة الكيميائية والبيولوجية على اللاجئين في دول الجوار، حيث الأدلة لا تزال حية في أجساد الناجين.
ثانياً: تحقيق دولي مستقل في سجلات مجمع اليرموك وما تبقى من منشآت الأبحاث في كافوري، قبل أن تبتلعها الحرب ويُطمس أثرها للأبد.
ثالثاً : ميثاق طبي واضح يرفض توظيف الكادر الصحي في العمليات الأمنية — لأن المستشفى حين يُصبح سلاحاً، لا يعود ثمة ملاذ آمن لأحد.
رابعاً : دعم شرفاء السودان الجديد من أبناء المركز نفسياً و معنويا و حثهم على تقديم كل ما يعرفونه من معلومات تكشف سلسلة الجرائم ذات الطابع الهوياتي في الدولة القديمة.
التاريخ لا يغفر الصمت
سقط “دكتور موت” أمام لجنة الحقيقة والمصالحة، أما السودان فلم يصل بعد حتى إلى مرحلة طرح الأسئلة علناً.
الفارق الوحيد بين بريتوريا والخرطوم ليس في الجريمة، بل في الشجاعة: شجاعة مواجهة التاريخ الأسود حين تنتهي الحرب. جنوب أفريقيا اختارت — بصعوبة — أن تواجه. والسودان أمام اختيار مشابه لا يزال مؤجلاً.
لكن التاريخ — كما يُعلّمنا مشروع الساحل — لا يغفر الصمت إلى الأبد.




