رأي

وزير خارجية بورتسودان يوزّع شرعية فوق أنقاض الدولة

سمية النور دهب ،، دبلن 

 

سمية النور دهب ،، دبلن 

حين تفشل السلطة في صناعة الوطن، تلجأ إلى احتكار اسمه

لم يعد مثيراً للدهشة أن يخرج وزير خارجية سلطة بورتسودان متحدثاً بلغة الوصاية السياسية وكأن السودان ما يزال دولة مستقرة ذات مؤسسات متماسكة وإجماع وطني قائم، بينما الحقيقة التي يراها الجميع أن البلاد تعيش أكبر انهيار سياسي وتاريخي منذ الاستقلال، وأن السلطة التي يتحدث باسمها الرجل لا تملك من “الشرعية” سوى خطابها الإعلامي المتهالك وبعض الاعترافات الدبلوماسية التي لم توقف حرباً، ولم تبنِ وطناً، ولم تُطعم جائعاً.

إن حديث وزارة الخارجية عن “مؤسسات الدولة الشرعية” يبدو اليوم أقرب إلى نكتة سياسية سوداء. أي دولة هذه التي يتحدثون عنها؟ وأي شرعية بقيت لسلطة فقدت السيطرة على معظم الجغرافيا، وفشلت في حماية المدنيين، وتحولت إلى طرف كامل في حرب أهلية مدمرة؟ الشرعية ليست لافتة تعلقها النخب على أبواب الوزارات، وليست مقعداً في الأمم المتحدة، بل عقد سياسي وأخلاقي بين الدولة وشعوبها. وهذا العقد انهار منذ سنوات طويلة، وربما منذ اللحظة التي اختُطف فيها السودان بعد الاستقلال لصالح مركز سياسي ضيق احتكر السلطة والثروة والهوية.

لقد أثبتت الحرب الحالية أن ما يسمى بـ”دولة ما بعد الاستقلال” لم تكن مشروعاً وطنياً جامعاً، بل كانت دولة نخبوية مغلقة، صُممت لخدمة تحالفات المركز السياسي والعسكري والاقتصادي، فيما تُركت الأطراف للحروب والفقر والتهميش. ولذلك فإن الغضب الشعبي والانفجارات المتكررة في الهامش لم تكن مجرد احتجاجات مطلبية، بل كانت تمرداً عميقاً ضد بنية دولة فاسدة ومستبدة وعاجزة عن تمثيل كل السودانيين.

والأكثر إثارة للسخرية أن سلطة تعتمد في بقائها على الدعم الخارجي، وتعيش تحت المظلة السياسية والعسكرية لمحاور إقليمية معروفة، تحاول أن تقدم نفسها باعتبارها حارس السيادة الوطنية. فكيف تتحدث سلطة بهذا القدر من الارتهان عن الاستقلال الوطني؟ وكيف يرفع بعض قادتها شعارات الوطنية بينما يعلم السودانيون جيداً حجم النفوذ المصري داخل القرار العسكري والسياسي في بورتسودان؟ لقد ظل الجيش، لعقود، الأداة الأكثر التصاقاً بالمصالح المصرية في السودان، سواء في ملف المياه أو الحدود أو إعادة تشكيل التوازنات السياسية بما يخدم القاهرة أكثر مما يخدم السودانيين أنفسهم.

إن الأزمة السودانية اليوم ليست مجرد صراع بين جيش ودعم سريع، ولا مجرد تنافس بين حكومتين، بل هي انهيار كامل لفكرة الدولة القديمة. ولذلك فإن محاولة تخويف المنظمات الإنسانية ومنعها من التعامل مع الوقائع القائمة على الأرض لن تعيد إنتاج الشرعية المفقودة، ولن تُقنع السودانيين بأن المركز القديم ما يزال يمتلك حق احتكار الوطن.

الحقيقة التي ترفض سلطة بورتسودان الاعتراف بها هي أن السودان دخل مرحلة سياسية جديدة، وأن الشعوب التي دفعت أثمان الحروب والتهميش لم تعد مستعدة للعودة إلى دولة النخب القديمة، دولة الاستعلاء والفساد والوصاية. لقد سقط القناع، وانكشفت هشاشة الخطاب الذي ظل يتحدث باسم “الدولة” بينما كان يهدمها من الداخل لعقود.

ولهذا، فإن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس تعدد السلطات، بل إصرار النخبة القديمة على إنكار موت مشروعها السياسي، ومحاولتها فرض وصايتها على شعب لم يعد يؤمن بها ولا بخطابها ولا بشرعيتها المتآكلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!