رأي

الإسلامويون واغتيال حلم الدولة السودانية

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

أخطر أنواع الاستبداد هو ذلك الذي يرتدي عباءة المقدّس

     لم تكن أزمة السودان الحديثة مجرد فشل سياسي عابر، ولا مجرد تعثر اقتصادي يمكن تجاوزه بإصلاحات إدارية أو تغييرات حكومية محدودة، بل كانت انهياراً عميقاً لمشروع أيديولوجي كامل رفع شعارات الدين بينما مارس أبشع أشكال الاستبداد والفساد والعنف المنظم. ولذلك فإن التجربة الإسلاموية في السودان تستحق أن تُدرس لا بوصفها تجربة حكم فاشلة فحسب، بل بوصفها نموذجاً خطيراً لكيفية توظيف الدين كأداة للهيمنة السياسية وتدمير الدولة والمجتمع معاً.

المؤسف حقاً أن يُزج بالإسلام، بوصفه ديناً يقوم على قيم العدل والحرية والشورى والكرامة الإنسانية، في هذا المستنقع المظلم بسبب جماعات الهوس الديني التي اختطفت الخطاب الإسلامي وحولته إلى مشروع سلطوي مغلق. فالإسلام الذي بشّر بالمساواة بين البشر، وبحرية الاعتقاد، وبالعدل كأساس للحكم، جرى اختزاله داخل عقلية تنظيمية ترى السلطة غاية مطلقة، وتتعامل مع المجتمع باعتباره مجرد حقل للتعبئة والسيطرة والطاعة.

لقد مارست الحركة الإسلاموية السودانية واحدة من أكثر التجارب قسوة وسوءاً في التاريخ السياسي الحديث للسودان. فمنذ وصولها إلى السلطة عبر الانقلاب العسكري، لم تؤسس لدولة مؤسسات أو مشروع وطني جامع، بل أقامت نظاماً قائماً على التمكين والإقصاء وتقديس الولاء التنظيمي على حساب الكفاءة والمواطنة. وبدلاً من بناء دولة حديثة تستوعب التنوع السوداني، أعادت إنتاج دولة مركزية مغلقة قائمة على الاحتكار السياسي والاقتصادي والثقافي.

وكانت النتيجة الطبيعية لذلك هي تفكيك مؤسسات الدولة نفسها. فقد جرى تشريد آلاف الكفاءات من الخدمة المدنية والقضاء والجيش والجامعات، واستُبدلوا بعناصر تدين بالولاء السياسي للتنظيم. وهكذا تحولت الدولة إلى جهاز حزبي ضخم، لا إلى مؤسسة وطنية تخدم جميع المواطنين. كما فُتحت أبواب الاقتصاد أمام شبكات الاحتكار والفساد والإعفاءات الجمركية والضريبية التي استفادت منها النخبة الإسلاموية، بينما غرقت البلاد في الديون والتضخم والانهيار النقدي والفقر والبطالة.

ولم يكن الفساد مجرد انحراف فردي داخل التجربة الإسلاموية، بل كان جزءاً من بنيتها الفكرية والسياسية. فالتمكين لم يكن سوى آلية لإعادة توزيع الدولة لصالح التنظيم، وتحويل الموارد العامة إلى أدوات للسيطرة السياسية. ولذلك شهد السودان خلال تلك الفترة عمليات بيع ممنهجة لمؤسسات الدولة الكبرى، من الخطوط الجوية والبحرية إلى النقل النهري والمشاريع الإنتاجية، في واحدة من أكبر عمليات تفكيك الاقتصاد الوطني في تاريخ البلاد.

لكن الأخطر من الفساد الاقتصادي كان العنف المنظم الذي مارسته السلطة باسم الدين والأمن القومي. فقد تحولت الأجهزة الأمنية إلى أدوات قمع مرعبة، ارتبط اسمها بالتعذيب والانتهاكات والتصفيات الجسدية وإرهاب المعارضين. ولم يعد الخوف حالة استثنائية، بل أصبح جزءاً من الحياة اليومية للسودانيين. وهنا تتجلى المفارقة المأساوية: جماعة رفعت شعار “الإسلام هو الحل” انتهت إلى إنتاج دولة بوليسية من أكثر الدول قمعاً في المنطقة.

وعلى المستوى الوطني، أدت سياسات الإسلامويين إلى إشعال الحروب في كل أطراف السودان تقريباً. ففي دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق والشرق، جرى التعامل مع مطالب الشعوب بالتنمية والعدالة والمشاركة السياسية عبر المقاربة الأمنية والعسكرية، لا عبر الحوار والإصلاح. وكانت النتيجة مئات الآلاف من الضحايا وملايين النازحين واللاجئين، إضافة إلى جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي التي أصبحت وصمة سوداء في تاريخ السودان الحديث، وانتهت باتهام الرئيس المخلوع عمر البشير أمام المحكمة الجنائية الدولية.

لقد أدخل الإسلامويون السودان في عزلة دولية خانقة، حتى صار البلد يتصدر قائمة الدول الراعية للإرهاب. ولم تكن تلك العزلة مجرد مؤامرة خارجية كما حاول خطابهم الدعائي أن يصور، بل نتيجة طبيعية لسياساتهم وتحالفاتهم وخطابهم الأيديولوجي المتطرف واحتضانهم لجماعات وشخصيات مرتبطة بالعنف العابر للحدود.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل كانت المشكلة في الإسلام ذاته؟ الإجابة قطعاً لا. فالإسلام كدين روحي وأخلاقي لا يمكن اختزاله داخل تجربة سياسية سلطوية فاشلة. المشكلة كانت في تحويل الدين إلى أداة احتكار سياسي، وفي استخدام المقدس لحماية الاستبداد ومنح السلطة طابعاً إلهياً يمنع نقدها أو محاسبتها.

ولهذا تكتسب مقولة الزعيم السوداني الراحل محمد أحمد المحجوب أهمية استثنائية حين قال: “إذا حكمني مؤمن فلن يدخلني الجنة، وإذا حكمني ملحد فلن يخرجني منها، وإنما أريد من يوفر لي الحرية والكرامة والعمل”. فوظيفة الدولة ليست إدخال الناس إلى الجنة، بل بناء حياة عادلة تحفظ حقوقهم وكرامتهم في الأرض.

كما أن المفكر السوداني محمود محمد طه كان مبكراً في قراءته لطبيعة جماعات الهوس الديني حين حذر من أنها ستستخدم الدين للوصول إلى السلطة، ثم ستدخل البلاد في فتنة مدمرة. واليوم تبدو تلك النبوءة وكأنها تتحقق أمام أعين السودانيين، بعدما تحولت البلاد إلى ساحة حرب وانهيار شامل نتيجة تراكمات عقود من الاستبداد والتطرف والفساد.

إن التحدي الحقيقي أمام السودان اليوم لا يتمثل فقط في إنهاء الحرب، بل في تجاوز البنية الفكرية والسياسية التي أنتجت هذه الكارثة. فلا يمكن بناء دولة حديثة عبر شعارات أيديولوجية مغلقة، ولا عبر احتكار الدين أو تخوين المختلفين أو استخدام العنف للوصول إلى السلطة.

لقد أثبتت التجربة السودانية أن الدولة الحديثة تقوم على المواطنة المتساوية، والعقد الاجتماعي، وسيادة القانون، والحرية، لا على احتكار الحقيقة باسم السماء. ولذلك فإن أي مشروع وطني جديد لا بد أن يؤسس لدولة مدنية ديمقراطية تعبر عن جميع السودانيين دون تمييز أو استعلاء أو وصاية دينية.

أما الإسلامويون، فقد سقط مشروعهم أخلاقياً وسياسياً وتاريخياً، لأن الشعوب قد تصبر على الفقر، لكنها لا تغفر لمن سرق الدين والوطن معاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!