
د. إيلاف وداعة
في اللحظات التي تتشظى فيها الأوطان، وتضيع فيها الحقيقة بين ضجيج البنادق، وتتكاثر فيها المشاريع الصغيرة فوق أنقاض الحلم الوطني الكبير، يبرز بعض القادة لا بوصفهم مجرد أطراف في معادلة الصراع، بل بوصفهم علامات فارقة في لحظة تاريخية مأزومة. ومن بين هذه الشخصيات يبرز القائد محمد حمدان دقلو كصوتٍ مختلف في زمن الالتباس، وكضميرٍ سياسي يقظ يطرح السؤال الذي تهربت منه النخب السودانية لعقود طويلة: لماذا فشلت الدولة السودانية؟ وكيف يمكن إعادة بنائها على أسس جديدة وعادلة؟
إن أهمية خطاب محمد حمدان دقلو لا تنبع من موقعه العسكري أو حضوره السياسي فحسب، بل من جرأته في الاقتراب من جوهر الأزمة السودانية، بعيداً عن التجميل السياسي أو المساومات المرحلية. فالرجل يطرح الأزمة باعتبارها أزمة بنية دولة، لا مجرد صراع على السلطة أو تنافس بين النخب. وهي رؤية تتجاوز السطح السياسي إلى عمق الخلل التاريخي الذي لازم السودان منذ الاستقلال.
لقد تأسست الدولة السودانية الحديثة على اختلالات عميقة، حين جرى احتكار السلطة والثروة والهوية لصالح مركز ضيق، بينما تُركت الأطراف تواجه التهميش والفقر والحروب والإقصاء. ومن هنا ظل السودان يدور في الحلقة ذاتها: انقلابات، حروب أهلية، اتفاقيات هشة، ثم انهيارات متكررة، لأن جذور الأزمة لم تُقتلع يوماً من تربتها القديمة.
ومن هذه الزاوية تبدو رؤية محمد حمدان دقلو مختلفة؛ إذ تنطلق من ضرورة إعادة تعريف الدولة نفسها، لا مجرد إعادة توزيع المناصب داخلها. فالدولة التي لا تعترف بتعدد شعوبها وثقافاتها، ولا تؤسس لمواطنة متساوية وعدالة شاملة، ستظل دولة قابلة للانفجار مهما تغيرت الحكومات أو تبدلت التحالفات.
إن ما يمنح هذا الخطاب بعده الأخلاقي والفكري، هو انحيازه الواضح لفكرة العدالة التاريخية، لا لصفقات التسوية السريعة. فالسلام، وفق هذا التصور، لا يُقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، ولا بحجم المقاعد الموزعة بين القوى السياسية، بل بقدرة الدولة على إعادة الاعتبار للإنسان السوداني البسيط؛ لذلك الطفل النازح الذي فقد بيته، وتلك الأم التي أنهكتها الحرب، وذلك المواطن الذي ظل لعقود يشعر أن الوطن لا يشبهه.
وفي قلب هذه الرؤية يبرز مبدأ الحوار السوداني–السوداني بوصفه المدخل الحقيقي لإنقاذ البلاد. ليس حواراً شكلياً تديره العواصم الخارجية، ولا عملية سياسية تُكتب أجندتها في الفنادق المغلقة، بل حواراً نابعاً من عمق التجربة السودانية نفسها، يعترف بالمظالم، ويواجه الحقائق المؤلمة بشجاعة، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة والمشاركة والاعتراف المتبادل.
لقد أثبتت التجارب أن الحلول المستوردة، مهما بدت براقة في نصوصها، تظل عاجزة عن مداواة الجرح السوداني، لأنها غالباً ما تتعامل مع النتائج لا الأسباب، ومع تقاسم السلطة لا إعادة بناء الدولة. ولهذا فإن أي مشروع وطني لا ينطلق من إرادة السودانيين أنفسهم، ومن فهمهم الحقيقي لطبيعة أزمتهم، سيبقى مشروعاً مؤقتاً ينتج هدنة لا سلاماً.
وفي زمن الانهيار الشامل، يصبح التمسك بالمبدأ شكلاً من أشكال المقاومة، ويغدو الوضوح موقفاً شجاعاً في مواجهة الضباب السياسي. وهنا تتجلى قيمة الخطاب الذي يطرحه محمد حمدان دقلو؛ لا باعتباره خطاب قوة، بل باعتباره دعوة صريحة لمواجهة جذور الأزمة السودانية دون خوف أو مواربة.
إن السودان لن ينهض عبر تدويل أزمته، ولا عبر إعادة إنتاج النخب القديمة، ولا عبر تسويات تُبقي جذور الظلم قائمة تحت لافتات جديدة. السودان لن يولد من جديد إلا حين يجرؤ أبناؤه على مصارحة أنفسهم، والاعتراف بتاريخ الألم، ثم الاتفاق على بناء وطن يتسع للجميع بلا استعلاء ولا تهمش.
فالأوطان لا تُصنع بالبندقية وحدها، ولا بالشعارات وحدها، بل تُصنع بالإرادة الوطنية، وبالعدالة، وبالقدرة على تحويل المعاناة إلى مشروع مستقبل.
وحين لا يموت الأمل، يولد الوطن من جديد.




