رأي

ظلال التدخل الممتد: قراءة في تاريخ العلاقات السودانية المصرية وصراع السيادة عبر العصور

شريف ذهب 

 

شريف ذهب 

تعد العلاقة التاريخية بين مصر والسودان واحدة من أكثر العلاقات تشابكاً وتعقيداً في المنطقة الإفريقية والعربية، وهي علاقة قديمة قدم التاريخ نفسه، يرجعها المؤرخون إلى عهد المجموعات السكانية الأولى التي يعود تاريخها إلى ٣٤٠٠ عام قبل الميلاد، حيث رُمز لها بالمجموعات (أ، ب، ج). كان التدخل المصري في تلك الحقب الباكرة مدفوعاً بغرض أساسي وهو حماية طرق التجارة والتعدين وقطع أحجار الجرانيت، ونظراً للمقاومة الشديدة التي أبداها السودانيون من المجموعة (أ) في الفترة ما بين ٣٤٠٠ و٢٧٢٠ قبل الميلاد، حدث غزو مصري بقيادة سنفرو في عهد ملك السودان “تانحسي”، نتج عنه قبض ٧٠٠٠ أسير و٢٠٠٠٠٠ رأس من الماشية. وتوالت الهجمات المصرية على المجموعة (ب) التي خلفت المجموعة الأولى نتيجة تقهقرها بفعل الغزو المتكرر، مما أدى إلى فرض السيطرة المصرية على تلك الأنحاء، وهو ما توثقه النقوش المكتشفة على الآثار، والتي تدل على بناء المراكب لنهب الثروات السودانية من الجرانيت والمعادن ونقلها إلى مصر، في توغل لم يقتصر على بلاد النوبة فحسب، بل امتد ليشمل كردفان ودارفور برغم عدم ثبوت ذلك بشكل قطعي من الناحية الأثرية والعلمية. ولم ينقطع هذا التداخل عبر القرون؛ إذ تواصل في عهد الكوشيين إلى أن أتى الملك السوداني “بعانخي” وفتح مصر في القرن السادس قبل الميلاد، ليستمر حكم السودانيين لمصر حتى عهد “تهراقا” حين قضى عليه الأشوريون القادمون من العراق، وفي عهد “تانوت آمون” الذي خلف تهراقا، ومحاولته استعادة مصر، تقدم الأشوريون حتى السودان واستولوا على العاصمة الكوشية “نباتا” (نبتة) ودان لهم حكم مصر والسودان معاً. هذا النمط من التدخل لم يكف قديماً وحديثاً، بل امتد ليشمل عهد الحكم التركي المصري والاستعمار الإنجليزي المصري، وصولاً إلى مرحلة ما سُمي بالاستقلال، والذي يراه الكاتب استمراراً للاحتلال المصري لكن بشكل مرن عبر وكلاء محليين.

 

ويتجلى هذا التدخل برؤية مغايرة في العصر الحديث من خلال الدور المصري الحاسم في إنهاء سلطنة دارفور بقيادة السلطان إبراهيم قرض، بالتعاون مع تاجر الرقيق الزبير باشا، حيث تحرك الأخير بمؤازرة قوة كبيرة ودعم لوجستي وعسكري مكثف من الحكومة المصرية، وربح معركته ضد الرزيقات الذين كانوا يتمتعون باستقلال تام منذ ثلاثين عاماً، ودخل عاصمتهم (شكّا)، مما دفع بمشايخهم وعلى رأسهم منزل وعليان للجوء إلى السلطان إبراهيم قرض الذي منحهم الحماية والولاء، ورفض بشتى السبل تسليم ضيوفه للزبير باشا. وإزاء هذا الموقف، صمم الزبير على مهاجمة دارفور، وطلب المدد العسكري مباشرة من الخديوية المصرية، حيث وثقت المراسلات التاريخية برقية المهردار “خيري باشا” إلى حكمدار السودان، استجابة لطلب إمدادات عاجلة شملت ثلاثة أُورط من النظامية، وأربعمائة من العساكر غير النظامية، ورئيس فرسان كامل العُدّة، وعشرين ألف قنطار من البقسمات، وآلاف قرب المياه، بالإضافة إلى تجنيد أورط سودانية جديدة، وذلك لمهاجمة دارفور من جهتي كردفان وشكا بحجة اعتداء أمير دارفور على الحكومة المصرية ومقاومته لمنع تجارة الرقيق، مع إرسال إرادة سنية بترقية الزبير باشا تنهئة له بنصره. وقد خاض جيش فور معارك استبسال منقطعة النظير دفاعاً عن كرامتهم وسلطنتهم، أرسل في قبل الأخيرة منها السلطان تجريدة بقيادة عمه لكنها خسرت، ليقود السلطان الحملة الأخيرة بنفسه بغرض مباغتة الزبير في (دارة) التي تحصن فيها الزبير بقوة، فتكبد السلطان خسائر فادحة وتراجع، فتعقبه الزبير حتى أدركه في بلدة “منواشي”، وهناك دارت المعركة الختامية التي استشهد فيها السلطان إبراهيم قرض واندك بموته عرش سلطنة دارفور الذي دام لأكثر من ثلاثة قرون كمركز للمدنية الإسلامية في الصحراء الكبرى، ليدخل الزبير العاصمة الفاشر في ٢٢ رمضان ١٢٩٢ هجرية. وترافق مع هذا السقوط جرائم إبادة غير موثقة أغفلها المؤرخون الرسميون حول الأحداث الانتقامية وحرق القرى الآمنة خلال الأيام الخمسة التي مَكَثَها الزبير في منواشي، لكن الجلالات والأشعار الشعبية بلغة الفور وثقتها بمرارة وهي تتساءل عن مصير الزبير أمام الله لتتبعه الخلاوي وقتله للعلماء وحفظة كتاب الله.

 

ولم تقف فصول هذا الصراع عند هذا الحد، بل تجددت مع قصة السلطان علي دينار، الذي كان يقبع تحت ما يشبه الإقامة الجبرية في أم درمان بسبب خلافات مع الدولة المهدية، ومع انتهاء معركة كرري، تمكن السلطان من الإفلات والتحرك صوب الفاشر مع عشرة من صحبه، ليلتف حوله أهالي دارفور حتى بلغوا ألفين عند دخوله العاصمة، حيث نجح في استرداد سلطنته وإدارتها بحكمة وتوفير الأمن في شبه استقلال عن حكومة المستعمر في الخرطوم. وظل السلطان يوارب في علاقاته مع سلطة الاحتلال حتى حانت لحظة قطع الوشائج تماماً مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٤م، حين ناصر الخلافة العثمانية في تركيا حليفة ألمانيا، الأمر الذي دفع بحكومة المستعمر في الخرطوم لتجهيز حملة عسكرية للقضاء عليه، قوامها نحو ٣٠٠٠ جندي شكل الجيش المصري أغلبيتها. واشتبكت هذه القوة مع جيش السلطان في معركة “برنجبة” في ٢٢ مايو ١٩١٦م، حيث نصب جيش السلطان كميناً للقوات الغازية وخرجوا لمطاردة قوة الاستكشاف التي أرسلها الأميرلاي “هدلستون بيك”، ورغم الاستبسال العالي، تغلبت الجيوش الغازية واستشهد أكثر من خمسمائة من رجال السلطان، مما اضطره للانسحاب والتحصن بجبل مرة لإعادة تنظيم صفوفه، إلا أن هدلستون بيك قاد حملة أخرى تعقبته في الجبل، انتهت باستشهاد السلطان علي دينار بطلق ناري في ٦ نوفمبر ١٩١٦م، وبها أُسدل الستار على استقلال دارفور الذي دام ثمانية عشر عاماً منذ دخول كتشنر للسودان، وتمت إعادة ضمها مجدداً، لتبقى هذه الأحداث شاهدة على قرون من التدافع ومحاولات الهيمنة وتشكيل مصائر المنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!