
د.النور حمد
حصادُ الهشيم هو ما نحن فيه الآن. والهشيم هو بقايا النبات اليابس المتناثرة التي لا يخرج منها حصادٌ ذو فائدة. والهشيم الذي نحصده نحن السودانيين اليوم سببه الرئيس ما زرعه قبل ستة عقودٍ الدكتور حسن الترابي؛ عليه الرحمة والغفران. لقد كان الترابي كلفًا بالوصول إلى السلطة إلى حد الهوس. لقد ظن أن مجرد الإمساك بالسلطة، وفق أي ترتيباتٍ واستعدادات، مهما كانت مترجلةً وضعيفة، كفيلٌ بتغيير الأحوال. لقد اختار الدكتور حسن الترابي تطبيق المقولة المأثورة: “إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”، لكنه سار في ذلك المنحى بطريقةٍ رغبويةٍ منحرفة.
فالصحيح، في تقديري، أن الوعظ وحده لا يكفي لكي تستقيم الأخلاق وسط الناس، ولكي يسود الأمن بينهم. ولا بد، لتحقيق ذلك، من قانون يسند الأخلاق ويحميها. وهنا يكمن الفرق الرئيسي بين الإسلام والمسيحية. فقد كانت المسيحية دين تبشيرٍ صرف، لم تسعَ قط لإقامة دولة، ولم تشرّع لها. أتت بوصايا رفيعة، وحثّت الناس على الوداعة والمسالمة وعدم رد الأذى وفعل الخير. أما الإسلام، فإلى جانب كونه دين تبشير، اتجه إلى إسناد الأخلاق وتحقيق الأمن عبر التشريع؛ أي بالقانون. ولذلك تفوّق الإسلام، في هذا الجانب، باتخاذه من الدولة وقوانينها وسيلةً ساندة للأخلاق وحارسةً لها.
ورغم أن اليهودية سبقت الإسلام بالتشريعات، إلا أن تشريعاتها لم تُعْنَ كثيرًا بترقية النفس البشرية، إذ ركزت على القصاص دون إيلاء العفو المكانة نفسها. وعندما جاءت المسيحية، نفّرت من القصاص وحثّت على العفو، لكنها بقيت وصايا عالية لم تجد تجسيدًا واسعًا على الأرض. فجاء الإسلام جامعًا بين الأمرين، فشرّع للقصاص ونفّر منه، وحثّ على العفو والتسامي:
“وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ”.
واستخدم جهاز الدولة ليجعل تحقيق هذه القيم ممكنًا على نطاق واسع.
لكن من المهم ملاحظة أن الإسلام لم يُنشئ الدولة إلا بعد أن ربّى طليعةً واسعة من الأفراد على مستوى رفيع من الأخلاق، حتى لا يتأثر تطبيق الدعوة بضعف الدعاة. ومع ذلك، انهارت الأمور بعد وفاة النبي، وتراجعت القيم، ولم تمضِ سوى عقود قليلة حتى سادت قيم الملك العضوض. وهذا يدل على أن التغيير الحقيقي المستدام أمر بالغ الصعوبة، ولا ينبغي الاستهانة به.
هل كان الترابي عجولًا ومرتجلًا؟
تتضح عجلة الترابي وارتجاله في إحدى الحلقات التي أجراها معه الصحفي أحمد منصور في برنامجه “شاهد على العصر” بقناة الجزيرة، وهي سلسلة طُلب تأجيل بثها إلى ما بعد وفاته. ففي إحدى الحلقات، سأل أحمد منصور الترابي عمّا إذا كان يعرف العقيد آنذاك عمر حسن أحمد البشير، الذي جرى اختياره لقيادة الانقلاب، فأجاب بالنفي. وهذا يطرح تساؤلًا كبيرًا: كيف يمكن لمن يخطط لانقلاب سيؤثر في مصير أمة بأكملها أن يسلّم قيادته لشخص لا يعرفه؟
هذا، في تقديري، دليل واضح على العجلة والارتجال. فبعد أقل من عشر سنوات، أطاح البشير بالترابي، وانقسمت الحركة الإسلامية، وغرق كثير من قادتها في الفساد، حتى قال الترابي نفسه: “أكلوا المال أكلاً عجيبًا”. وقد تحوّل الوضع، كما وصفه الدكتور التجاني عبد القادر، إلى “مزيج من اقتصاد السوق وممارسات أقرب إلى الجريمة المنظمة”. وعندما سأله أحمد منصور: “وقد جرى كل ذلك تحت سمعك وبصرك؟” أجاب: “نعم، جرى تحت سمعي وبصري وعجزي”. وهكذا قادت العجلة والارتجال وقصر النظر إلى انهيار ما سُمّي بالمشروع الحضاري، وتحوله إلى قهرٍ وعنفٍ وفسادٍ شامل.
حرب الكل ضد الكل
عندما اندلعت ثورة ديسمبر 2018، استبشر الناس بزوال عهد القهر والفساد. لكن سرعان ما صعد إلى السلطة عسكري ضيق الأفق، محدود المعرفة، ضعيف الحس الإنساني، فبدأ في نسج المؤامرات لإجهاض الثورة، ساعيًا إلى احتكار السلطة. وقد ساعدته في ذلك الشبكات التي نشأت في ظل المشروع السابق.
وهكذا انزلقت البلاد في مسار متسارع من التضليل والخداع، لم تشهد له مثيلًا في تاريخها. ومع اندلاع الحرب في قلب العاصمة، تحولت الخرطوم في غضون عامين إلى ركام، وتشرد أكثر من 15 مليون مواطن، بينما يواجه ثلثا السكان خطر المجاعة. كما تدهورت صورة البلاد دوليًا إلى مستويات غير مسبوقة.
ورغم كل ذلك، لا تزال السلطة متمسكة بمواقعها، وتواصل المناورات والتحالفات دون إدراك لحجم الكارثة. وفي الوقت نفسه، تشققت التحالفات العسكرية، وظهرت صراعات داخلية بين القوى المتحالفة، مع تصاعد التوترات والانقسامات.
نحن الآن على أعتاب مرحلة خطيرة يمكن وصفها بـ”حرب الكل ضد الكل”، ما لم يتم تدارك الأمر بحكمة ورؤية وطنية جامعة. فالأمل معقود على أن تتوحد القوى الوطنية لإنقاذ البلاد قبل أن تكتمل دائرة الانهيار، ويضيع ما تبقى من الدولة.




