رأي

كلنا نحب الجيش وندعمه، ولكن: ما هو وصف الجيش الوطني حقا؟

د. دقاش حسب الله دقاش

 

د. دقاش حسب الله دقاش

إن الجيش الوطني ليس شعارا يرفع ولا شعورا عابرا، وإنما هو مؤسسة دولة تقوم على أصول ثابتة تجعل من السلاح تعبيرا عن السيادة وحارسا للوحدة وصائنا لكرامة المواطن. فالجيش الوطني هو الجهة التي تحتكر عبرها الدولة حمل السلاح الشرعي حصرا للدفاع عن الأرض وصون الدستور وحماية الناس. ولا يقوم هذا المعنى إلا على سبعة أصول متكاملة يشد بعضها بعضا.

فالأصل الأول أن يكون الجيش مؤسسة قومية جامعة لا تعرف انتماء سياسيا ولا إثنيا ولا جهويا، وإنما الانتماء للوطن وحده بكل أبنائه. والأصل الثاني أن تكون عقيدته الدستور والقانون، وأن يكون ولاؤه للوثيقة العليا التي تحكم البلاد لا للأشخاص ولا للتيارات ولا للحظة السياسية. والأصل الثالث أن تنحصر مهمته في حماية الشعب والدولة من التهديد الخارجي وحفظ الأمن عند التكليف المدني، دون أن يتحول إلى طرف في الصراع الداخلي. والأصل الرابع أن يلتزم الحياد السياسي التزاما صارما، فلا ينافس على السلطة ولا يدير الاستقطاب ولا يكون أداة في معركة حزبية. والأصل الخامس أن يخضع للرقابة المدنية، وأن تحدد المؤسسات المنتخبة مهامه الكبرى وتوجهاته الاستراتيجية في إطار الدستور. والأصل السادس أن تقوم بنيته على المهنية والانضباط والتدريب المستمر، وأن تكون الكفاءة وحدها معيار الترقي والتكليف. والأصل السابع أن تكون موارده شفافة، وأن يخضع إنفاقه للمحاسبة العامة حتى يطمئن المواطن أن هذا الجيش يعبر عنه ويمثله.

وحين تتوفر هذه الأصول تتحقق الثقة المؤسية التي يعبر عنها الناس بالحب والدعم. لأن الثقة لا تبنى بالخطاب وإنما تبنى بالأداء. والأداء يقاس بقدرة الجيش على حماية الأرواح والممتلكات، وصون وحدة البلاد، وعدم الانحياز في الصراعات الداخلية، وعدم تحويل السلاح إلى وسيلة إدارة سياسية.

أما التجربة السودانية فقد أفرزت أثرها الواضح على صورة المؤسسة العسكرية، حيث تداخل العسكري مع السياسي، وانقسمت المؤسسة إلى مسارات مختلفة، وظهرت قوات نظامية إلى جانب أخرى موازية وأجهزة أمنية متعددة. وتحولت بعض التشكيلات إلى أطراف في نزاعات داخلية، فضعف معيار الوحدة والحياد، وضعفت عندئذ الرقابة المدنية. فعندما يغيب الحياد يغيب الإجماع، وتتحول المؤسسة العسكرية من رمز جامع إلى طرف مختلف حوله.

ومنذ أبريل ألفين وثلاثة وعشرين دخلت القوات المسلحة السودانية في حرب داخلية غيرت وظيفتها من الدفاع إلى القتال الداخلي. والقتال الداخلي يفرز اصطفافات تضيق مساحة الدعم الجامع، ويحول السؤال من حماية الوطن إلى الانحياز لطرف. كما انعكس استمرار الحرب على الاقتصاد والخدمات والأمن المعيشي، فصار المواطن يقيس المؤسسة العسكرية بأثرها على حياته اليومية. فإذا كان الأثر خرابا وتهجيرا وانقطاع خدمات وانعدام أمن تراجع الدعم. لأن الناس لا تؤيد مؤسسة تزيد معاناتها، وإنما تؤيد المؤسسة التي تصون حياتها.

والشرط الجوهري للدعم أن يشعر المواطن أن الجيش هو مؤسسته التي ينتمي إليها وتعبر عنه، وأن مهمته الأولى حمايته، وأن قراره مستقل عن السياسة الحزبية، وأن سلاحه موجه إلى الخارج لا إلى الداخل، وأن قيادته خاضعة للمساءلة القانونية والمالية والإدارية، وأن عقيدته مبنية على حماية الدستور لا تجاوزه.

وعندما تغيب هذه الشروط يسقط المعنى المؤسسي للجيش الوطني، ويبقى وصف قوة طرف في صراع. وطرف الصراع لا ينال إجماعا وطنيا، لأن الإجماع لا يولد من الحرب وإنما يولد من السلام، وتصنعه مؤسسات تحرس العقد الوطني.

وخلاصة القول أن وصف الجيش الوطني وصف وظيفي أخلاقي قانوني يتجدد كل يوم بالممارسة. فإذا قامت الممارسة على الحياد والمهنية والدستور والوحدة جاء الدعم ثمرة للأداء. وإذا قامت على الانقسام والاصطفاف والحرب الداخلية انكسر الدعم، لأن الناس لا تحب مؤسسة ترى فيها سببا في معاناتها. ولهذا فإن الحب والدعم ليسا شعارا ولا هتافا وإنما هما نتيجة لأداء مؤسسي قابل للقياس. والأداء هو الذي يحدد إن كان الجيش مستوفيا لشرط الوطنية التي تجعل الناس تقول بصدق: كلنا مع الجيش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!