رأي

السودان بين عقلية الحرب والدولة

منال علي محمود

 

منال علي محمود

manal002002@gmail.com

الشعب السوداني اليوم يقف في لحظة معقدة من تاريخه، تتأرجح بين انتظار الحسم العسكري والبحث عن طريق نحو دولة مستقرة.

هذا السؤال يعكس جوهر الأزمة في تصور الدولة نفسها، ويفتح مباشرة على تاريخ تشكّل الوعي السياسي في ظل الحكم العسكري والانهيارات المتكررة.

خلال فترة الإنقاذ، أعيد تشكيل الدولة على أساس أمني وإداري، يدار بالأزمة أكثر مما يُبنى بالمؤسسات. ومع الوقت تحولت إلى جهاز استجابة لا إلى مشروع دولة. هذا الإرث لم يتوقف بانتهاء الحكم، بل استمر بصيغ مختلفة حتى اليوم.

ومع الحرب، تعمّقت هذه البنية. أصبح النقاش العام أسيراً لتفاصيل المعارك، بينما تراجع السؤال الأساسي كيف تُبنى الدولة.

الإشكال أن العقل السياسي ظل يدور داخل ثنائية الانتصار والهزيمة، بينما الدولة تحتاج منطقاً آخر، تدرج، تفاوض، مؤسسات، واعتراف بالاختلاف.

في الساحة السياسية، يظهر خلل واضح في طبيعة المشاركة. الطابع الذكوري ما زال مهيمناً على القيادة وصناعة القرار. حضور النساء يبقى في الهوامش، لحظات التعبئة أو التبرير، لا لحظات تصميم السياسات الفعلية. وهذا ليس تفصيلاً جانبياً، بل يعكس خللاً في بنية الدولة نفسها.

كثير من الخطابات الجديدة تتحدث عن التغيير، لكنها تكرر الشكل القديم، مركزية القرار، وضيق الدائرة، وضعف التعدد الحقيقي.

على المستوى الدولي، لا تُقرأ الأزمات عبر الانحياز، بل عبر السلوك، تقليل العنف، قابلية التفاوض، والاستقرار. فالمجتمع الدولي لا يمنح القبول على أساس المواقف المعلنة، بل على أساس السلوك الذي يقلل المخاطر ويزيد قابلية الاستقرار.

مدنية الحكم معيار يرتبط بتقليل هيمنة السلاح، بناء مؤسسات قابلة للمساءلة، وتوسيع دائرة القرار. لكنها لا تعمل إذا بقيت فكرة على الورق.

تجربة رواندا بعد 1994 تقدم مثالاً على إعادة بناء الدولة من داخل الانهيار. لم تُفصل بين المحاسبة والمصالحة، بل جرى التعامل معهما معاً لكبح العنف وإعادة تأسيس العقد الاجتماعي، بالتوازي مع بناء مؤسسات قادرة على فرض الاستقرار.

في المقابل، كل سلطة يتكرر داخلها الحديث عن الفساد دون مساءلة تفقد تدريجياً قدرتها على بناء الثقة داخل المجتمع، وتتآكل شرعيتها السياسية والأخلاقية حتى لو احتفظت بالقوة. فالدولة ليست سلطة، بل علاقة قبول واستمرار.

وكما يوضح ماكس فيبر، فإن الدولة تحتكر العنف، لكنها لا تكتسب شرعيتها من القوة، بل من الإطار الذي ينظمها ويجعلها مقبولة.

المعركة الحقيقية ليست على من يحكم، بل على ما إذا كان الحكم نفسه قابلاً للتحول إلى دولة.

ضمن هذا السياق، يبرز سؤال أكثر حساسية، من قاتل في الحرب قد يعتقد أن له حقاً في الحكم، لكن المشاركة في القتال لا تمنح شرعية سياسية. الشرعية تُبنى على التمثيل، والمؤسسات، والقدرة على إدارة الدولة، لا على موقع في ساحة المعركة.

لا يمكن لأي مشروع أن يكتسب القبول ما لم يفصل بوضوح بين منطق السلاح ومنطق الدولة، ويثبت أنه قادر على تحويل القوة إلى مؤسسات لا إلى بديل عنها، لأن الشرعية لا تُمنح لمن يدير الصراع بل لمن يبني دولة تتجاوزه.

في المحصلة، لا تُقاس قيمة أي مشروع سياسي بقدرته على السيطرة، بل بقدرته على تحويل السيطرة إلى دولة، والانقسام إلى عقد قابل للحياة.

السؤال ليس من ينتصر، بل أي دولة يمكن أن تقوم بعد توقف البنادق، وكيف يشعر الناس شباباً ونساءً أنهم جزء منها لا خارجها، وكيف يتحول المواطن من متلقٍ للقرار إلى شريك في صنعه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!