رأي

زيارة كمال إدريس المرتقبة للمملكة المتحدة والبحث عن الشرعية 

نجوي بابو

 

نجوي بابو 

في خضم الحرب المستمرة في السودان منذ 2023، تبرز مفارقة لافتة تتمثل في تزامن العمليات العسكرية العنيفة مع تحركات سياسية ودبلوماسية لقيادات من السلطة الامر الواقع بما في ذلك زيارات أو اتصالات مع عواصم دولية مثل لندن هذه المفارقة تفتح بابًا لتحليل أعمق يتجاوز السطح الإعلامي، نحو فهم طبيعة السلطة في زمن الحرب وكيف يُعاد إنتاج الشرعية في سياق الانقسام والعنف.

لا يمكن فهم تحركات رئيس وزراء الحكومة الانقلابية تحركات بوصفها منفردة بقدر ما هي جزء من استراتيجية بقاء. في النزاعات الداخلية الطويلة، تميل الأطراف المسيطرة على مؤسسات الدولة إلى استخدام الدبلوماسية كامتداد للصراع، لا كبديل له. فالتواصل مع القوى الدولية لا يعني بالضرورة التزامًا فوريًا بالسلام، بل قد يكون وسيلة لإعادة التموضع، أو تقليل العزلة، أو تحسين شروط التفاوض المستقبلية. بهذا المعنى، تصبح السياسة الخارجية أداة من أدوات الحرب، وليست خروجًا منها.

الوضع في السودان يعكس تعقيدًا شائعًا في النزاعات المعاصرة، حيث تتداخل شرعية الدولة مع واقع القوة على الأرض. القانون الدولي الإنساني يضع قواعد واضحة لحماية المدنيين، ويجرّم استهدافهم بغض النظر عن الفاعل أو مصدر السلاح، إلا أن تطبيق هذه القواعد يظل رهينًا بإرادة سياسية دولية متباينة، وبقدرة محدودة على فرض المحاسبة أثناء استمرار القتال. كما أن تعدد الأطراف المسلحة وتداخل مصادر التسليح يزيد من صعوبة إسناد المسؤولية بشكل حاسم، ما يخلق فراغًا بين النص القانوني والواقع الفعلي.

تكشف الحرب السودانية عن أزمة أعمق تتعلق بمفهوم الدولة ذاته. فالدولة، التي يفترض أن تكون إطارًا لتنظيم العنف ومنع فوضاه، تتحول في لحظات الانهيار إلى أحد أطرافه. هنا يتراجع المعنى التقليدي للشرعية، القائم على التمثيل والقبول الاجتماعي، لصالح شرعية الأمر الواقع. وفي مثل هذه السياقات، يصبح السؤال ليس فقط من يحكم، بل ما الذي يجعل الحكم ممكنًا أصلًا في ظل تفكك العقد الاجتماعي.

التوازي بين استمرار الحرب من جهة، والحركة الدبلوماسية في الخارج من جهة أخرى، يعكس أيضًا انفصالًا متزايدًا بين الخطاب السياسي والواقع الميداني. فبينما تُطرح مفردات مثل السلام والانتقال السياسي في المحافل الدولية، تستمر ديناميات العنف داخل البلاد، ما يخلق حالة من الازدواجية السياسية التي تُضعف الثقة في أي مسار تفاوضي. هذه الازدواجية ليست جديدة في الحروب الأهلية، لكنها في الحالة السودانية تتخذ طابعًا حادًا بسبب شدة الانهيار المؤسسي واتساع رقعة الصراع.

في النهاية، لا يمكن اختزال المشهد في ثنائية بسيطة بين حكومة انقلابية وحكومة ديمقراطية ،أو بين حرب وسلام. الواقع أكثر تشابكًا، حيث تتداخل الشرعية بالقوة، والدبلوماسية بالحرب، والقانون بالسياسة. وفي مثل هذا السياق، يصبح السؤال الجوهري هو كيف يمكن إعادة بناء معنى الدولة ذاته قبل الحديث عن إعادة بناء السلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!