رأي

السودان ليس قبائل متناحرة… بل وطنٌ يُختطف بخطاب الكراهية

جيلان شريف

 

جيلان شريف 

في خضم تصاعد خطابات الكراهية ومحاولات إعادة إنتاج الاستقطاب داخل المجتمع السوداني، تتأكد الحاجة إلى إعادة قراءة مفهوم الهوية الوطنية بعيداً عن النزعات الإقصائية والتقسيمات العرقية والقبلية. فالسودان، بتاريخه وجغرافيته وتنوعه الإنساني، ليس ساحة صراع هويات متناقضة، بل فضاء واسع للتعدد والتعايش والتكامل. ومن هنا تبرز أهمية هذا الطرح في مواجهة خطاب التفكيك، والتأكيد على أن قوة السودان تكمن في وحدته القائمة على التنوع، لا في إلغاءه أو تشويهه.

بعض الخطابات المتداولة في المشهد السوداني تميل إلى تبسيطٍ مخلّ للتاريخ وإلى إعادة إنتاج الاستقطاب الاجتماعي عبر تقسيم المجتمع إلى فئات “أصيلة” و“مستعربة”، وكأن الهوية السودانية يمكن اختزالها في تصنيفات عرقية جامدة أو ثنائيات حادة. غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة تاريخية وجغرافية راسخة: السودان لم يكن يوماً كياناً أحادي الهوية، بل فضاءً واسعاً تشكّل عبر قرون طويلة من التفاعل بين الإنسان والمكان، وبين الثقافات والمجتمعات المختلفة.

فالسودان يمتاز بتشكيل جغرافي فريد يجمع بين السهول الشاسعة، والوديان، والصحارى الممتدة، إضافة إلى حوضي النيل الأزرق والأبيض وما يحيط بهما من أراضٍ زراعية خصبة، فضلاً عن مناطق السافنا والغابات في بعض الأقاليم. هذا التنوع الجغرافي لم يكن مجرد مظهر طبيعي، بل شكّل الأساس الذي نشأت عليه أنماط الاستقرار البشري وتوزيع الموارد الاقتصادية، التي تُعد في مجملها هبة طبيعية منحت البلاد إمكانات كبيرة في الزراعة والثروة الحيوانية والمياه والمعادن. ومن هذا الأساس، تبلور الإنسان السوداني في بيئات متعددة ومتباينة، ما أفرز تنوعاً ثقافياً واجتماعياً واسعاً وتمازجاً في السحنات والملامح والعادات بين مختلف المكونات.

ومع حركة التاريخ، أسهمت الهجرات، والتجارة، والتنقل بين الأقاليم، والروابط الاجتماعية الممتدة، في بناء شبكة تشابك إنساني عميق بين أطراف السودان ووسطه. فأصبحت الأعراف والتقاليد وسيلة للتواصل والتقارب، لا أداة للعزل أو الانقسام، وتعززت حالة من الاعتماد المتبادل بين الأقاليم، حيث ترتبط البيئات الزراعية بالصحراوية، والريف بالمدن، والشرق بالغرب، في منظومة واحدة متكاملة يصعب فصل عناصرها عن بعضها البعض.

ومن هذا التداخل الجغرافي والإنساني والثقافي، نشأت هوية سودانية جامعة، لا تقوم على نقاء عرقي أو أحادية ثقافية، بل على التعدد والتنوع والتراكم التاريخي. هوية تشكلت عبر التفاعل لا العزلة، وعبر الامتزاج لا الفصل، واحتضنت في داخلها مختلف المكونات دون إلغاء أو إنكار. لذلك فإن محاولة اختزال الانتماء السوداني في لون أو أصل أو مجموعة واحدة لا تمثل إلا قراءة سطحية تتعارض مع الواقع التاريخي والاجتماعي للبلاد.

وفي السياق السياسي الحديث، يرى كثيرون أن فترات الحكم المتعاقبة، بما فيها فترة “الإنقاذ”، شهدت تعقيدات كبيرة أثّرت على النسيج الاجتماعي، حيث تصاعدت مستويات الاستقطاب والصراعات الاجتماعية والسياسية، ما انعكس سلباً على مستوى التماسك الوطني. وقد ساهم ذلك في تعميق التحديات المتعلقة بالعلاقات بين المكونات المختلفة، وألقى بظلاله على مسار بناء الثقة الوطنية.

إن الاعتزاز بالتنوع الثقافي واللغات المحلية في السودان أمر مشروع وضروري لحماية هذا الإرث الغني، لكنه يصبح خطيراً عندما يتحول إلى أداة لإثارة الكراهية أو تغذية الاستقطاب بين مكونات المجتمع. فالتنوع في السودان ليس تهديداً للوحدة، بل هو أساسها الحقيقي ومصدر قوتها.

وعليه، فإن بناء مشروع وطني سوداني حقيقي لا يمكن أن يقوم على الإقصاء أو إعادة إنتاج خطاب الكراهية، بل على الاعتراف الكامل بأن قوة السودان تكمن في تعدده، وأن وحدته لا تتحقق بإنكار هذا التنوع، بل بإدارته بعدالة ووعي تاريخي وإنساني يجعل من الاختلاف رافعة للتعايش والاستقرار، لا سبباً للصراع والانقسام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!