
حسن النعمان
لم يكن إبليس يومًا يبحث عن الأذكياء، بل كان يفتّش دائمًا عن أولئك الذين أفسدتهم المرايا؛ الذين إذا نُصحوا استكبروا، وإذا قيل لهم اتقوا الله أخذتهم العزة بالإثم. هناك، في تجاويف الغرور، يجد ضالته، ويزرع بذور الوهم الأبدي.
وكان “ود الحلمان” واحدًا من أولئك الذين أغوتهم الفكرة قبل السلطة، وأسكرهم الحلم قبل الكرسي. جاءه إبليس متخفّيًا في هيئة المخلّص، وقال له بصوتٍ يشبه صفير النار:
“أنا من أمنحك ملكًا لا يغيب، وسلطانًا لا ينكسر. سأجعل النيلين الأزرق والأبيض يجريان تحت قدميك، وتسبّح بحمدك الأفواه في المدن والقرى، ويُكتب اسمك فوق جماجم البلاد كما تُكتب أسماء الملوك على جدران المعابد.”
ارتجف الرجل، وسال لعابه شهوةً للحكم، حتى كاد أن يبتلع ريقه من فرط الطمع، لكن إبليس السيسي أوقفه قائلًا:
“قف… لم أُكمل وصايا الخلود بعد.”
فحبس الرجل أنفاسه، وانحنى كما ينحني العابد أمام صنمه، وقال بصوتٍ مرتعش:
“ماذا تريد أيها الإله الجليل؟”
فقال إبليس:
“اجمع لي أبناء الشعب المغيَّبين، وأصحاب الهتافات الجوفاء، والقبضة الأمنية، وأبناء المايقومة الذين يحفظون التهاليل دون أن يفقهوا معناها. اجمع أولئك الذين يسيرون إلى الموت وهم يظنون أنهم يسيرون إلى الجنة. خذهم إلى المحرقة… فالجماهير العمياء خير وقود للملوك.”
ثم اقترب منه أكثر، وهمس في أذنه كأفعى قديمة:
“لا تتردد… حتى لو أحرقت البلاد بمن فيها.”
فجثا النمرود على ركبتيه، وقال:
“أنفّذ كل ما تأمر به، ولو قُتل الشعب عن آخره.”
لكن إبليس زأر فيه زئيرًا اهتزّت له أركان روحه:
“وهل أذنتُ لك أن تنهض؟!”
فعاد يركع كعبدٍ مكسور، وقد تحوّل الحاكم في حضرة شيطانه إلى ظلٍّ مرتعش.
ومنذ تلك الليلة، صار النمرود يشيّد مُلكه فوق العظام. كلُّ جماجم تسقط كانت حجرًا جديدًا في قصر الموت. وكانت كردفان — جبل الكبريت المفتوح — موقدًا لا ينطفئ، تلحق فيه الأبناء بالآباء إلى ذات المحارق، وكأن الدم صار ميراثًا تتناقله الأجيال.
كلما احترقت مجموعة، اتسعت شهيته للمزيد، لا يرتدّ له طرف، ولا يهتزّ له جفن. صار وجهه كآخر الليل؛ شاحبًا، خاليًا من الرحمة، تأكل الهواجس جسده كما تأكل النار الحطب اليابس.
وكان كلما اعترضه ضابطٌ عظيم، أو همس له مقرّبٌ بكلمة عقل، شدّ رحاله إلى البرج القديم في مصر، يعود بعدها أكثر ظلمةً ووحشية… ثم يختفي ذلك الضابط، كأن الأرض ابتلعته، أو كأن النيل غسل أثره إلى الأبد.
أما الكهنة من حوله — علي كرتي، وعلي طه، وفكي جبريل، وطبّالو السلطان — فلم يكونوا سوى حرّاس المذبح الكبير، يرفعون بخور التهليل الباطل فوق وطنٍ يُذبح ببطء. كانوا يعلمون أن النار ستأكلهم في النهاية، لكنهم ظلوا يرقصون حولها كفراشاتٍ عشقت الاحتراق.
ولم يكن النمرود يطارد سوى شيءٍ واحد:
أحلام أبيه.
ذلك الحلم القديم الذي تحوّل إلى لعنة، فصار يطارده في النوم والصحو، يدفعه إلى المزيد من الدم، والمزيد من الخراب، والمزيد من القرابين البشرية لإرضاء إبليس الجالس على عرش الوهم.
فهل يمنح إبليس للنمرود الخلود الذي وعده به؟
أم أن كل الطغاة، مهما طال ليلهم، ينتهون وحيدين تحت ترابٍ لا يذكر أسماءهم إلا باللعنة؟
النمرود: البرهان
إبليس: السيسي
الكهنة: علي كرتي، علي طه، فكي جبريل، وخوازيق البلد.




