رأي

الدولة العنصرية وأزمة السودان التاريخية العميقة

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

حين تُختطف الدولة لصالح نخبة ضيقة، يتحول الوطن إلى امتياز لا إلى حق

على خلفية المقال المهم الذي كتبه البروفيسور علي رباح بعنوان “نحو خطاب عالمي يركز على العنصرية والاستعمار الحديث”، تبدو الحاجة ملحة اليوم لإعادة تعريف الأزمة السودانية بصورة أكثر شجاعة ووضوحاً وعمقاً، بعيداً عن التوصيفات التقليدية التي ظلت تختزل المأساة الوطنية في مجرد صراع سياسي أو تنافس على السلطة بين عسكريين ومدنيين.

فالسودان، في جوهر أزمته، يواجه معضلة بنيوية تتعلق بطبيعة الدولة نفسها؛ دولة تأسست تاريخياً على التمييز والإقصاء واحتكار السلطة والثروة والقرار بواسطة نخبة مركزية محدودة ارتبطت، سياسياً وثقافياً واقتصادياً، بمصالح الاستعمار الحديث، وظلت تحرس تلك المصالح لعقود طويلة، سواء عبر المؤسسة العسكرية أو عبر النخب المدنية التي تداولت الحكم تحت شعارات مختلفة.

إن أخطر ما في طرح د. علي رباح أنه نقل النقاش من سطح الأزمة إلى جذورها العميقة. فالعنصرية في السودان ليست مجرد مظاهر اجتماعية معزولة أو خطاب كراهية عابر، بل هي بنية دولة كاملة، وآلية حكم، ومنهج إدارة للسلطة والثروة والهوية. ولهذا فإن الأزمة السودانية لا يمكن حلها فقط عبر تغيير الحكومات أو عقد التسويات السياسية، ما لم يتم تفكيك البنية المنتجة للتمييز التاريخي.

والعنصرية هنا ليست موجهة فقط ضد مجتمعات غرب السودان كما يُشاع أحياناً، بل هي عنصرية نخبة مركزية تجاه معظم الشعوب السودانية المختلفة. ففي شرق السودان، ظلت مجتمعات بأكملها تعاني من التهميش السياسي والتنموي والإقصاء من مراكز القرار. وفي شمال السودان ووسطه، عانت مجموعات اجتماعية واسعة من الاحتقار الطبقي والثقافي والتهميش الاقتصادي، حتى داخل البيئات التي تُحسب نظرياً على المركز نفسه، بما في ذلك قطاعات واسعة من عرب الجزيرة ومجتمعات ريفية ظلت خارج دائرة الامتياز الحقيقي.

وهذا يؤكد أن المسألة ليست قضية جغرافيا “هامش ومركز” فقط، بل قضية بنية ذهنية وسياسية ترى السودان من زاوية ضيقة، وتتعامل مع التنوع بوصفه تهديداً لا مصدر قوة. لذلك فإن اختزال الأزمة في “الهامش” وحده أحياناً يُخفي الطبيعة الحقيقية للمشكلة: دولة قامت على احتكار رمزية الوطنية نفسها.

لقد ظلت النخب المرتبطة بالمؤسسة الاستعمارية القديمة، والمتحالفة تاريخياً مع المصالح المصرية في السودان، تحرس هذا النموذج من الدولة. ومن هنا يمكن فهم كثير من مظاهر التعالي السياسي والثقافي داخل المؤسسات العسكرية والمدنية السودانية، التي ظلت تنظر إلى قطاعات واسعة من الشعب السوداني باعتبارها أقل أهلية للحكم أو الشراكة الوطنية.

وليس سراً أن المؤسسة العسكرية السودانية الحديثة نشأت ضمن ترتيبات استعمارية ارتبطت عضوياً بالمصالح المصرية والبريطانية في السودان، ثم تطورت لاحقاً لتصبح أداة مركزية لحراسة نموذج الدولة القديمة، لا لإعادة تأسيس دولة وطنية عادلة. ولهذا ظل الجيش، في كثير من المحطات التاريخية، أقرب إلى حماية السلطة المركزية من حماية مشروع وطني جامع لكل السودانيين.

وهنا تتقاطع النخب المدنية والعسكرية بصورة لافتة؛ فالصراع بينهما كان في أغلب الأحيان صراعاً على إدارة الدولة القديمة، لا على تفكيكها. ولهذا فشلت معظم التجارب المدنية التي أعقبت الأنظمة الشمولية في معالجة جذور الأزمة، لأنها لم تمس البنية العنصرية والاحتكارية للدولة، بل أعادت إنتاجها بصيغ جديدة.

ومن أخطر نتائج هذه البنية تمدد خطاب العنصرية والكراهية خلال الحرب الحالية بصورة غير مسبوقة. فبعد أن فقد خطاب الهوس الديني قدرته القديمة على الحشد، اتجهت القوى المرتبطة بالحرب إلى الاستثمار المكثف في التحريض الاجتماعي والعنصري، عبر الإعلام والمنصات الرقمية، وتجريد خصومها من الهوية الوطنية، ووصف مكونات اجتماعية سودانية كاملة بأنها “غير سودانية” أو “عابرة للحدود”.

وهنا يصبح مصطلح مثل “عرب الشتات” مثالاً صارخاً على الانحدار الأخلاقي والسياسي الذي وصلت إليه بعض النخب. فهذا الوصف لا يستهدف قوة عسكرية فقط، بل يستهدف مجتمعات كاملة لعبت أدواراً تاريخية في بناء السودان والدفاع عنه والمشاركة في تشكيل حدوده الاجتماعية والثقافية والسياسية.

وقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، في توسيع هذا الانهيار، حيث تحولت إلى منصات مفتوحة لإنتاج الكراهية وترويج الصور النمطية وإعادة تدوير العنصرية بصورة كثيفة، الأمر الذي أدى إلى تفكيك ما تبقى من النسيج الاجتماعي الهش أصلاً.

لكن المأساة الكبرى أن هذه الحرب تمضي اليوم نحو تعميق هذا الانقسام، وتحويل الصراع السياسي إلى صراع هوياتي مفتوح، بما يهدد مستقبل الدولة السودانية نفسها. فحين يصبح الانتماء الوطني محل تشكيك، وحين يُختزل المواطن في قبيلته أو لونه أو جهته، تنهار فكرة السودان بوصفه وطناً جامعاً.

وفي مقابل هذا المشهد القاتم، تبرز أهمية الخطاب الذي يدعو إلى بناء دولة حديثة قائمة على المواطنة، لا الامتياز التاريخي. دولة يكون فيها الدستور هو المرجعية الوحيدة للحقوق والواجبات، لا القبيلة أو العرق أو القرب من السلطة المركزية.

إن السودان يحتاج اليوم إلى مشروع تأسيسي جديد، لا إلى مجرد تسوية سياسية مؤقتة. مشروع يعيد بناء الجيش والمؤسسات الأمنية والمدنية على أسس وطنية عادلة، ويعترف بالتنوع الثقافي والإثني والديني باعتباره مصدر ثراء، لا تهديداً ينبغي قمعه.

كما يحتاج السودان إلى مواجهة شجاعة مع تاريخه، والاعتراف بأن التمييز العنصري لم يكن حادثاً عابراً، بل سياسة دولة استمرت لعقود، وأنتجت الحروب والانقسامات والانهيارات المتلاحقة.

إن الخطاب الحقوقي العالمي لا يفهم الشعارات الضبابية بقدر ما يفهم مفاهيم واضحة مثل العنصرية، والتمييز البنيوي، والاستعمار الحديث، والعدالة الانتقالية، والمواطنة المتساوية. ولذلك فإن تسمية الأشياء بأسمائها تمثل الخطوة الأولى نحو العلاج الحقيقي.

لقد أثبتت تجارب الشعوب أن الدول لا تستقر بالقوة العسكرية وحدها، ولا بالشعارات الأيديولوجية، بل بالعدالة. والعدالة تبدأ حين يشعر كل مواطن أن هذا الوطن وطنه بالفعل، لا مزرعة محتكرة لنخبة صغيرة تتوارث السلطة والثروة والقرار.

إن السودان يقف اليوم أمام لحظة تاريخية فاصلة: إما الاستمرار في إعادة إنتاج الدولة القديمة بكل عللها العنصرية والاستبدادية، أو الانتقال إلى دولة جديدة تتسع للجميع بلا استعلاء أو إقصاء.

وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يجب أن ينتصر فيه خطاب العقل والمواطنة والتسامح على خطاب الكراهية والعنصرية والحرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!