رأي

المثقف الذي خان صوته

هشام محمد شريف

 

هشام محمد شريف

دور المثقف السوداني الغائب أو المنحاز: 

لماذا صمت؟ لماذا انحاز للسلطة؟ وكيف أن غياب الصوت المستقل هو ما أوصلنا لهنا.

في خضم الحرب المدمرة التي تعصف بالسودان منذ أبريل 2023، حرب أودت بعشرات الآلاف وشردت أكثر من أربعة عشر مليون إنسان، يبرز سؤال مؤلم ومحرج: أين المثقف السوداني؟ 

لماذا غاب صوته؟

ولماذا انحاز الكثيرون منهم للسلطة بدلًا من أن يكونوا صوت الضمير وناقد السياسة؟

ليس هذا السؤال وليد اللحظة، بل هو امتداد لأزمة بنيوية طالت عقودًا. فالمثقف السوداني، منذ الاستقلال وحتى اليوم، لم يمتلك يومًا سلطة معرفية مستقلة؛ فقد كانت الدولة قادرة على دمجه داخل آلياتها، سواء عبر استقطابه إلى أجهزتها الثقافية أو عبر تهميشه إلى حد يجعله خارج أي تأثير حقيقي.

وهكذا ظلت علاقة المثقف السوداني بالسلطة علاقة مضطربة، تتأرجح بين القمع والاحتواء.

من “صكوك الثورة” إلى “موائد الطغاة”

منذ انقلاب إبراهيم عبود عام 1958، بدأ ما يمكن تسميته بـ”تدجين النخبة السودانية”. 

النخب السودانية، منذ الاستقلال، ظلت تعيش حالة من التردد والاضطراب الوجودي، حيث تأرجح المثقف بين موقع “الضمير الوطني” و”المتواطئ مع السلطة”. وهذا الاضطراب ليس مجرد إخفاق فردي، بل فشل بنيوي في المشروع الوطني، لا بسبب العسكر وحدهم، بل أيضًا بسبب نخب مدنية وفكرية سكتت عن الظلم، وروّجت للاستبداد، بل وشاركت فيه.

لقد تحول المثقفون، في كثير من الأحيان، من منتجين للمعنى وناقضين للهيمنة إلى “مثقفين تنفيذيين” يغيرون مواقفهم بتغيّر الجهات المهيمنة.

من تبرير أيديولوجي للأنظمة القمعية، إلى انتهازية الموقف، إلى التحول نحو خطاب جهوي أو عرقي في لحظات الحرب.

وهذا ما جعل المثقف السوداني، الذي كان يُنتظر منه أن يكون مرشدًا للوعي، جزءًا من معارك فكرية جانبية لا تزيد المشهد إلا تشرذمًا.

لماذا صمت المثقف؟

في زمن الحرب، لم يكن صمت المثقفين مجرد خيار أخلاقي، بل صدى للفراغ الذي خلّفته السلطة نفسها.

فالمثقفون لم يغيبوا عن الوطن، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام خيارات صعبة.

الاستقطاب الحاد في السودان دفع بالكثير من الكتاب والمثقفين إلى الاصطفاف القسري، وأصبح رفض الحرب قرينًا بالتخوين، مما عمّق عزلة الأصوات المستقلة، وأصبح الدفاع عن السلام موقفًا مكلفًا لا يحظى بالتسامح.

فإما أن تناصر الجيش باعتباره حافظًا للدولة، أو تدعم قوات الدعم السريع.

في هذا الفضاء الضيق، اختنق الصوت النقدي المستقل.

كثير من المثقفين الذين كانوا يحلمون بوطن ديمقراطي وجدوا أنفسهم أمام خيانة العسكر للشراكة الهشة مع القوى المدنية، مما أصابهم بإحباط عميق جعلهم يتنقلون بين مواقعهم الفكرية دون وعي نقدي. وآخرون تحركتهم دوافع تاريخية للثأر من المركز، متجاهلين أن العدو الحقيقي هو تحالف الجبهة الإسلامية مع الانتهازيين.

الانحياز للسلطة: خيانة الرسالة

إذا كان أنطونيو غرامشي قد ميز بين المثقف العضوي المنخرط في قضايا شعبه، والمثقف التقليدي المرتبط بالسلطة ومراكز الهيمنة، فإن المشهد السوداني يفتقر إلى نماذج مستمرة للمثقف العضوي.

وإدوارد سعيد اعتبر المثقف “صاحب موقف أخلاقي دائم المعارضة للسلطة الظالمة، والمدافع عن العدالة، حتى حين يكون ذلك مكلفًا”. لكن في السودان، استُبدل المثقف النقدي بـ”الناشط الانتهازي”.

هذا الانحياز لم يأت من فراغ.

فالمثقف السوداني واجه إشكالية كونه لم يمتلك يومًا سلطة معرفية مستقلة. الدولة، سواء في عهد الإسلاميين أو ما قبلهم، كانت قادرة على دمجه داخل آلياتها. وهكذا أصبح المثقف امتدادًا لصراعات السلطة بدلًا من أن يكون ناقدًا لها.

لكن هل يبرر هذا التاريخ الطويل من الاحتواء والإقصاء تخلي المثقف عن مسؤوليته الأخلاقية في لحظة الخطر الأكبر التي تمر بها البلاد؟

الغياب الذي أوصلنا إلى هنا

غياب الصوت المستقل ليس مجرد عرض جانبي للأزمة، بل هو أحد أسبابها الجوهرية.

فالمثقف، بحكم موقعه المعرفي وقدرته على تحليل الواقع ونقد السلطة، كان يمكن أن يكون جسرًا بين الفرقاء، وصوتًا للعقل في زمن الجنون، ومرجعية أخلاقية تفضح الانتهاكات وتكشف الأكاذيب.

لكن غيابه -أو انحيازه- ترك الساحة خالية للخطاب المتطرف، وللإعلام الحربي الذي يغذي الاستقطاب، وللقوى التي تتعامل مع الشعب كأرقام في معادلات السلطة لا كمواطنين لهم حقوق.

لقد تحول المثقفون، في غياب مشروع وطني جامع، إلى أدوات خطابية داخل الصراع نفسه، مما عمق الأزمة بدلًا من أن يسهم في حلها.

 استعادة الصوت

إن دور المثقف الرافض للحرب يظل ضرورة إنسانية حتى في أحلك الظروف.

ومسؤولية المثقف السوداني اليوم، كما يرى الكثيرون، تقوم على ركيزتين أساسيتين:

اتخاذ موقف أخلاقي مما يحدث، وبث الوعي في المجتمع السوداني.

استعادة هذا الصوت تتطلب أكثر من مجرد شجاعة فردية؛ إنها تتطلب وعيًا نقديًا يتجاوز الاستقطاب، وقدرة على مخاطبة الجماهير بلغة الضمير لا لغة الطوائف، وإرادة لتكون المعرفة في مواجهة السلطة لا في خدمتها.

فالمثقف الحقيقي ليس من يردد ما تردده السلطة، ولا من يردد ما يردده العوام.

المثقف الحقيقي هو من يغادر منطقة الراحة، ويدفع ثمن موقفه، لأنه يعرف أن الصمت في زمن الحرب ليس حيادًا، بل هو انحياز للظلم.

السودان يمر بمنعطف تاريخي خطير.

إما أن يعاد بناء السودان كدولة لكل مواطنيه، أو يظل رهينة لصراعات النخب التي خانتها. والمثقف السوداني مدعو اليوم، أكثر من أي وقت مضى، ليكون جزءًا من الحل، لا جزءًا من المشكلة.

فكما قال غرامشي: المثقف هو الفاعل الذي ينتج المعنى في صلب الصراع الاجتماعي.

فليعد المثقف السوداني إلى إنتاج المعنى، وليكن صوته للوطن لا للسلطة، وللضمير لا للمنصب.

“المثقف الحقيقي ليس من يغادر حقل الاختصاص فحسب، بل من يغادر مناطق الراحة، ويدفع ثمن موقفه، لأنه يعرف أن الصمت في زمن الحرب ليس حيادًا، بل انحياز للظلم.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!