
صوت البادية عبدالله عيسى كتر عابد
منذ نشأة الدولة السودانية الحديثة، التي تشكلت في ظل هيمنة العقل المركزي والنخبوي على مفاصل السلطة والقرار، برزت العديد من القضايا المرتبطة بالتفاوت التنموي والاجتماعي والسياسي، وفي مقدمتها قضايا الهامش والتهميش. وبينما اختارت بعض المجموعات حمل السلاح لإيصال صوتها، وسلكت أخرى طريق العمل السياسي والمدني السلمي، ظل صوت البادية السودانية واحداً من أكثر الأصوات غياباً وتجاهلاً، رغم عمق قضيته وأهميتها الوطنية.

إن قضية البادية السودانية ليست قضية فئوية أو مطلبية ضيقة، بل تمثل جزءاً أصيلاً من سؤال العدالة الوطنية وإعادة بناء الدولة السودانية على أسس أكثر إنصافاً وتوازناً. فمن المعروف أن مجتمعات البدو والرُّحل ظلت عبر التاريخ تؤدي أدواراً محورية في دعم الاقتصاد القومي، خاصة في قطاع الثروة الحيوانية الذي يمثل أحد أهم الموارد الاقتصادية في السودان، فضلاً عن مساهماتها الاجتماعية والثقافية والأمنية في حماية المجتمعات المحلية وتعزيز الترابط بين الأقاليم المختلفة.
ورغم هذه الأدوار الكبيرة، فإن الحكومات المتعاقبة لم تنظر إلى قضايا البادية باعتبارها أولوية وطنية تستحق التخطيط والمعالجة الجادة، بل ظلت هذه المجتمعات تعاني من الإهمال وضعف الخدمات وغياب التمثيل العادل في مؤسسات الدولة ومراكز اتخاذ القرار.
ومن المؤسف أن قضايا البدو والرُّحل لم تحظَ بالاهتمام الكافي داخل المنابر السياسية والفكرية والإعلامية، إلا في نطاق محدود، الأمر الذي ساهم في استمرار التهميش التاريخي وتعقيد المشكلات المرتبطة بحياة هذه المجتمعات.
أولاً: قضية الكلأ والماء
تُعد قضية الكلأ والماء من أهم القضايا المرتبطة بحياة البدو والرُّحل، باعتبارها مسألة وجودية تتعلق باستمرار الحياة والإنتاج والاستقرار الاجتماعي. ومن هذا المنطلق، فإن توفير الموارد الأساسية للمجتمعات الرعوية يجب أن يُنظر إليه باعتباره واجباً وطنياً والتزاماً دستورياً يقع على عاتق الدولة وفقاً لمبادئ العقد الاجتماعي.
لكن المؤسف أن البعض ظل ينظر إلى الترحال الموسمي، أو ما يُعرف بالمسارات، باعتباره نمط حياة اختياري أو مجرد تقليد اجتماعي، بينما الحقيقة أن الترحال في جوهره يمثل استجابة اضطرارية لشح الموارد وغياب التنمية والخدمات الأساسية.
فالرعاة لا يغادرون مناطقهم حباً في المشقة أو التنقل، بل بحثاً عن الماء والكلأ وسبل البقاء. ولذلك فإن معالجة هذه القضية تتطلب سياسات تنموية حقيقية تشمل إنشاء مصادر المياه، وحماية المسارات التقليدية، وتطوير مشروعات الاستقرار الطوعي، بما يضمن كرامة الإنسان ويحفظ الثروة الحيوانية باعتبارها مورداً استراتيجياً للاقتصاد السوداني.
ثانياً: قضايا الدبلوماسية الشعبية والرعي عبر الحدود
أدى التدهور البيئي وشح الموارد في بعض مناطق السودان إلى اضطرار قطاعات واسعة من الرعاة إلى التحرك نحو دول الجوار بحثاً عن المراعي ومصادر المياه، وهو أمر ظل يفرض تحديات أمنية واجتماعية واقتصادية معقدة.
وفي هذا السياق، برزت أهمية ما يمكن تسميته بالدبلوماسية الشعبية، حيث لعبت الإدارات الأهلية والقيادات المجتمعية أدواراً كبيرة في احتواء النزاعات وتنظيم العلاقات بين المجتمعات الرعوية العابرة للحدود.
غير أن هذه الجهود الشعبية، على أهميتها، لا يمكن أن تُغني عن دور الدولة في بناء اتفاقيات إقليمية واضحة تنظم حركة الرعاة وتحفظ حقوقهم وتقلل من احتمالات الصدامات والنزاعات المرتبطة بالموارد.
إن الرعي عبر الحدود لم يعد مجرد قضية محلية، بل أصبح ملفاً إقليمياً يحتاج إلى رؤية استراتيجية تتعامل مع التحولات المناخية والتغيرات السكانية والتحديات الأمنية في المنطقة بصورة أكثر شمولاً ووعياً.
ثالثاً: الخدمات والمشاركة في صناعة القرار
منذ تكوين الدولة السودانية، تعرضت مجتمعات البدو والرُّحل إلى أشكال متعددة من التهميش والإقصاء، حيث جرى استغلال كثير منها في الصراعات والحروب دون أن تُمنح حقوقها المشروعة في التنمية والتعليم والخدمات الأساسية.
كما أن ضعف الاهتمام الرسمي بهذه المجتمعات أدى إلى غيابها عن كثير من الإحصاءات والتعدادات السكانية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على حجم تمثيلها السياسي والخدمي داخل مؤسسات الدولة.
ففي الوقت الذي شهدت فيه بعض المناطق تطوراً نسبياً في البنية التحتية والخدمات، ظلت مناطق واسعة من البادية تعاني من غياب المدارس والمراكز الصحية وشبكات المياه والطرق، الأمر الذي عمّق الفجوة التنموية وأضعف فرص الاندماج الوطني الحقيقي.
إن بناء دولة عادلة ومستقرة يتطلب الاعتراف الكامل بحقوق مجتمعات البدو والرُّحل، ليس فقط بوصفهم مكونات اجتماعية أصيلة، بل باعتبارهم شركاء حقيقيين في صناعة مستقبل السودان.
ولذلك فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تقوم على تبني سياسات أكثر عدالة وشمولاً، تعزز المشاركة السياسية والتنموية لهذه المجتمعات، وتضمن تمثيلها في مؤسسات الحكم وصناعة القرار، مع الاهتمام بالتعليم والصحة والخدمات والبنية التحتية.
إن إنصاف البادية السودانية ليس منحة من أحد، بل استحقاق تاريخي ووطني، لأن بناء السودان الجديد لا يمكن أن يتحقق عبر مركز يحتكر السلطة والثروة، وإنما عبر دولة مواطنة تتسع للجميع وتؤمن بالتنوع والعدالة والشراكة الوطنية الحقيقية.




