
السفير عادل إبراهيم مصطفي
تناول كثيرون خطاب رئيس وزراء سلطة بورتسودان الانقلابية، د. كامل إدريس، أمام الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة من منظورين أساسيين.
الأول: إغفاله أهم قضية تواجه المواطن السوداني اليوم، وهي رؤية وخطة حكومته لوقف الحرب، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وضمان عودة اللاجئين والنازحين، والتصدي لموجات الجوع والأوبئة والأمراض.
أما المنظور الثاني: فهو ما حواه الخطاب من أكاذيب، أبرزها ادعاؤه تمثيل الشعب السوداني بصفته رئيس وزراء شرعي ذي سلطات مستقلة، ترسيخًا لقيم الحكم المدني والانتقال الديمقراطي، وادعاؤه تشكيل حكومة مدنية من التكنوقراط، بينما يعلم القاصي والداني أنه عُيّن من قِبل سلطة استولت على الحكم بالبندقية، وأن الحركة الإسلامية هي من شكّلت حكومته من كوادر المؤتمر الوطني المحلول ومنسوبي بعض الحركات المسلحة.
وبما أن هذه الجوانب نالت ما يكفي من التناول، فإن هذا المقال سيركز على قضية الشرعية: هل تعني مخاطبة رئيس وزراء السلطة الانقلابية للجمعية العامة للأمم المتحدة منحه صفة الشرعية كما يروج إعلام الانقلاب، أم أنه يظل مجرد غطاء سياسي لانقلاب أكتوبر 2021 على ثورة ديسمبر المجيدة؟
في حقيقة الأمر، فإن مخاطبته للجمعية العامة، في قاعة شبه خالية إلا من بعض الحضور القليل والوفد “المصفق” لسيادته، لا تعني بأي حال من الأحوال منحه أو منح سلطته في بورتسودان أي شرعية. فهي سلطة ما زالت محاصَرة بالمقاطعة الإقليمية والعزلة الدولية، إضافة إلى الضغوط المستمرة لوقف الحرب التي أشعلها الانقلاب، والتوصل إلى حلول سلمية تنهي معاناة الشعب السوداني.
جدير بالذكر أن رئيس وزراء السلطة الانقلابية، وقبله قائد الانقلاب نفسه، تمكّنا من مخاطبة الجمعية العامة للأمم المتحدة، في الوقت الذي لا يستطيع أي منهما مخاطبة أي محفل أو فعالية تابعة للاتحاد الإفريقي. فالمنظمة القارية تتبنى موقفًا مبدئيًا رافضًا للانقلابات العسكرية كخيار سياسي، وعلى هذا الأساس جمّدت عضوية السودان منذ انقلاب أكتوبر 2021.
وعلى النقيض من الاتحاد الإفريقي، يعاني النظام الدولي من ثغرات هيكلية جعلت الأمم المتحدة لا تضع شروطًا صارمة تجاه الوصول غير الدستوري إلى السلطة. فهي غالبًا ما تتعامل مع “الأمر الواقع” ومن يسيطر على السلطة، الأمر الذي مكّن قادة الانقلاب في السودان من اعتلاء منصة الجمعية العامة. ويعود ذلك إلى عدة عوامل؛ أهمها:
صعوبة تحقيق إجماع داخل مجلس الأمن الدولي بشأن الانقلابات العسكرية، إذ إن بعض الأعضاء الدائمين مثل الصين وروسيا عادةً ما يعارضون فرض العقوبات بدعوى أنها شأن داخلي.
تضارب المصالح بين القوى الكبرى، مما يحد من قدرة المنظمة على اتخاذ مواقف حاسمة.
ازدواجية المعايير لدى بعض الدول الغربية الكبرى، إذ تضغط أحيانًا لإدانة انقلابات بعينها، بينما تتجاهل أخرى. فقد أدانت الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفاؤهما انقلاب ميانمار في فبراير 2021، بينما تغاضوا عن انقلابات مماثلة في تشاد وغينيا. وفي السودان، اكتفى مجلس الأمن حينها ببيان صحفي أعرب فيه عن “القلق” إزاء الاستيلاء العسكري على السلطة.
وبحسب تقرير مجموعة الأزمات الدولية لعام 2022 حول تعامل مجلس الأمن مع الانقلابات، فإن المجلس ليس الجهة الحاسمة في تحديد شرعية الحكومات، خصوصًا في حالات الانقلابات العسكرية، لأنه يخضع أكثر لمعادلات النفوذ والمصالح من خضوعه لمبادئ الديمقراطية أو قواعد الشرعية الدستورية. ولهذا السبب، لجأت الأمم المتحدة إلى الاعتماد على المنظمات الإقليمية وشبه الإقليمية ـ مثل الاتحاد الإفريقي، والإيكواس، والآسيان ـ لتولي زمام المبادرة في التعامل مع الانقلابات وفرض مواقف صارمة ضدها، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة.
انطلاقًا من ذلك، لا يمكن وصف د. كامل إدريس، الذي عيّنه قائد الانقلاب، برئيس وزراء شرعي، كما لا يمكن وصف حكومته بالشرعية استنادًا إلى المعايير الديمقراطية أو قواعد القانون الدولي. فهي ليست سوى امتداد لسلطة انقلابية تفتقر إلى التفويض الشعبي، ولم تأتِ عبر عملية دستورية أو انتخابية. وبالتالي، فإن مخاطبته للجمعية العامة لا تمنحه شرعية سياسية أو قانونية، بل لا تتجاوز حدود “شرعية الأمر الواقع” التي تعكس عجز الأمم المتحدة عن اتخاذ موقف صارم ضد الاستيلاء غير الشرعي على السلطة.
ويبقى التحدي أمام المنظمة الدولية أن ترقى إلى مستوى تطلعات الشعوب في الحرية والديمقراطية والعدالة، لا سيما أن ميثاقها ومبادئها تعلن التزامها بهذه القيم.




