رأي

السودان بعد الحرب.. بين تفكيك الدولة القديمة وبناء وطن يتسع للجميع

مازن الازهري

 

مازن الأزهري

تتذكروا التقرير الذي صدر قبل نحو ثلاثة أسابيع، والذي أثار جدلاً واسعاً، خصوصاً في الجزئية المتعلقة بحماية الخرطوم؟

ورد فيه أن النور قبة وقواته سيتولون حماية أم درمان، بينما كانت النقطة الأكثر إثارة للجدل هي الحديث عن “قوات السافنا” لحماية بحري.

كثيرون تعاملوا مع الأمر بسخرية، لكن من يقرأ المشهد بعمق يدرك أن القضية لم تكن مجرد توزيع عسكري عابر، بل مؤشراً واضحاً على إعادة تشكيل التحالفات وموازين القوى داخل الحرب السودانية.

لاحقاً، خرج النور قبة وقواته بتصريحات مباشرة أكدوا فيها أنهم انضموا إلى الجيش باسمهم المعروف، قائلين:

“نحن قوات الدعم السريع.”

هذه التصريحات حملت دلالات سياسية وعسكرية مهمة، تعكس طبيعة التحولات الجارية في المشهد السوداني، وتوضح حجم التعقيدات التي باتت تحكم مسار الحرب والتحالفات القائمة فيها.

لكن الأخطر من ذلك، التصريحات الأخيرة التي صدرت من قادة الصراع أنفسهم، والتي تكشف أن الحرب دخلت مرحلة جديدة عنوانها إعادة التموضع وفتح أبواب التسويات.

الفريق محمد حمدان دقلو قال:

“أولادنا الذين ذهبوا إلى العاصمة لم يقصروا، صوروا لنا القبور ولم ينسوا الشهداء… تقدموا إلى الأمام، وإن أردتم سنزيدكم.”

وفي المقابل، صرح البرهان قائلاً:

“كل من يضع السلاح ويعود إلى حضن الوطن سنستقبله.”

ولم يبقَ الأمر في إطار التصريحات فقط، بل ظهرت بالفعل مؤشرات عملية لاستقبال شخصيات وقوى كانت حتى وقت قريب في معسكرات متباينة، مثل كيكل وموسى هلال وقبة، مع حديث متزايد عن انضمام قوى أخرى لاحقاً.

كل ذلك يؤكد أن الحرب، مهما طالت، ستنتهي في النهاية إلى ترتيبات سياسية جديدة، لأن السودان لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية في حالة الانهيار الشامل.

لكن السؤال الأهم:

كيف سيكون شكل السودان بعد الحرب؟

إن أي مشروع حقيقي لإنقاذ البلاد يجب أن يبدأ بإنهاء هيمنة الكيزان والحركة الإسلامية على الدولة ومؤسساتها، لأن الأزمة السودانية لم تبدأ في 2023، بل تعود جذورها إلى انقلاب 1989، حين تم تحويل الدولة إلى مشروع أيديولوجي أقصى قطاعات واسعة من السودانيين، وأضعف مؤسسات الدولة، ومهّد لكل ما نعيشه اليوم.

إذا انتهى هذا المشروع، فإن السودانيين قادرون على إعادة بناء نسيجهم الوطني، وصياغة عقد اجتماعي جديد قائم على المواطنة والعدالة والمساواة.

السودان اليوم بحاجة إلى:

• دولة مدنية كاملة.

• جيش وطني موحد بعيد عن السياسة والاقتصاد.

• سلطة مدنية منتخبة تخضع لها المؤسسة العسكرية.

• مؤتمر دستوري يضع دستوراً دائماً يحكم الجميع.

• نظام يضمن الحقوق والحريات والتنوع الثقافي والديني والعرقي.

• وقف شامل للحرب حتى تعود دولة القانون وتتوقف الانتهاكات.

إن السودان الجديد يجب أن يكون وطناً يتسع للجميع، بلا إقصاء، وبلا احتكار للدين أو السلطة أو السلاح.

سواء كان الاسم:

“السودان الجديد”،

أو “الدولة المدنية الفيدرالية”،

أو أي صيغة يتوافق عليها الشعب السوداني…

فالمهم هو بناء دولة تحترم الإنسان السوداني، وتفتح الطريق نحو المستقبل، بدلاً من إعادة إنتاج الحروب والأزمات.

لا استقرار بلا دولة مدنية،

ولا سلام حقيقياً بلا عدالة،

ولا وطن موحداً في ظل تعدد الجيوش وتوظيف الدين في السياسة.

والله المستعان.

مازن الأزهري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!