مغتربون في وطنهم: تراتيل “التغييب وتجهيل العقول” في السودان القديم (قراءة نقدية في جذور الأزمة السودانية)
مليح يعقوب حماد

مليح يعقوب حماد
باحث في إدارة التنوع والسياسات الريفية
المقدمة:

تشرع هذه السلسلة في رصد “جغرافيا التيه” السوداني، تحت عنوانٍ نضّاحٍ بالاغتراب الوجداني: “مغتربون في وطنهم”. وتأتي كمحاولة لجردٍ حساب تاريخي،من اجل تفكيك “الهندسة الاجتماعية” التي مارستها مراكز القوى لصهر الكينونة السودانية في بوتقة الإقصاء. نناقش هنا “هولوكوست الوعي” الذي استهدف إنسان الهامش، في مبحثٍ ينشطر إلى نصلين؛ يتناول الأول “مركز الدولة السودانية القديم” بوصفه النحّات الأول لتماثيل الاستلاب، بينما يتقصى الثاني “مركز الدولة الحديث” الذي ورث تلك “الأصنام” وقنّنها داخل أروقة المؤسسات.
الفصل الأول: مركز الدولة القديم (بين سطوة القداسة وعقيدة الاستلاب)
لقد نشأ “المركز القديم” كمنظومةً “سياديةً” تقتات على التغييب المعرفي لتُحكِم قبضتها على المورد والبشر عبر ثلاث محطاتٍ مفصلية:
1. العهود القديمة (كوش): احتكار “السر الإلهي”
في فجر التاريخ الكوشي، كان التغييب “طبقياً-كهنوتياً” اكثر من كونه عرقياً بمفهومنا المعاصر:
المركزية المقدسة: احتكر المركز في (نبتة ومروي) “تكنولوجيا الغيب”؛ مما جعل الشعوب الطرفية تترنح في عماء التبعية، بينما تنفرد “النخبة الكهنوتية” بمحاريب الضوء، محولةً إنسان الهامش إلى محضِ سخرةٍ لبناء الصروح وتشييد مجد “الملك-الإله”.
احتجاب التدوين: ظلّت الكتابة المروية “سراً سيادياً” في يد الصفوة، مما أدى إلى “وأدٍ رمزي” للثقافات الطرفية، وتغييب أساطيرها في السجلات الرسمية، فبقي الهامش يسكن في ظلال التاريخ المنسية بدلاّ عن متنه.
2. عهد الممالك المسيحية (المقرة وعلوة): “خَرَس اللسان” وانكفاء المركز
تحول التغييب هنا إلى نمطٍ إداري شَيّد أسواراً من “عزلة اللغة” لضمان التبعية:
اللغة كحاجز سيادي: حين ارتهنت المعرفة باليونانية والقبطية داخل الصوامع والدواوين، أصبح إنسان الهامش “أخرساً سياسياً”؛ عاجزاً عن فهم صلوات المركز وقوانينه، فاستحالت علاقته بالدولة علاقة “مرتهنٍ” لمركزٍ يتحدث لغةً غريبةً عن وجدانه الريفي.
3. عهد السلطنات (الفونج والفور): صياغة الزيف وانفصام الكينونة
هنا بلغت آليات التغييب ذروتها بإعادة هندسة “الذات” من الداخل عبر مسارين:
تزييف الأنساب: انبجست ظاهرة “مشجرات الأنساب المتخيلة” كطوق نجاةٍ للترقي الاجتماعي. فطفق الإنسان يواري “سوأة” جذوره الإفريقية ليتردى في أردية “عروبةٍ متوهمة” طلباً لرضا المركز القدسي؛ مما خلق انفصاماً جعل الهامش يحتقر وجهه الأصيل ويسعى للتماهي مع قامعه.
الفكر الصوفي التبريري: استُخدم الخطاب الديني أحياناً لترسيخ قيم الطاعة المطلقة لـ “الولي” أو “الشيخ”، مما عطل العقل النقدي تجاه الحقوق السياسية والاجتماعية.
اقتصاد السخرة و”نحر الكينونة”:
لقد تجاوزت عمليات استرقاق الشعوب مرحلة النشاطٍ التجاري، لتتحول الى عملية “نحرٍ كليّ للكينونة” تهدف لتجريد إنسان الهامش من اسمه ولغته ودينه، محوّلةً إياه إلى “أداة إنتاج” صماء. وقد تجلى هذا “الاقتصاد الطفيلي” في قرائن تاريخية فارقة:
الطغيان الفرعوني: كأول عملية “تأميم للعقل” تحت شعار (أنا ربكم الأعلى)، حيث استُنزفت الذات الإنسانية لتشييد أمجاد الطاغية.
اتفاقية “البقط” (651م): التي قننت “التشييء” الإنساني في عهد دولة المقرة، بتحويل بني الوطن إلى “سلعة سيادية” تُورد سنوياً لضمان بقاء السلطة.
سادية “السلطان كسوفورو”: التي تجسدت في سخرة “جبل أم كردوس” العبثية، كآلية لكسر إرادة الإنسان وإذلال كبريائه.
ظاهرة “الزبير باشا”: التي مثّلت “الجسر الأسود” بين العصور؛ إذ نقل عقلية السخرة القديمة إلى طور “المؤسسة العسكرية” في بواكير العهد الحديث، ممهداً الطريق لاستدامة خطيئة المركز.
المقاومة الكامنة وجدلية الانشطار:
برغم الكسوف المعرفي، قاوم الهامش بـ “تكنولوجيا الصوت”؛ فكانت آليات (الكرنق والوازا وأب قزة) وإيقاعات (النقارة والمردوم والجراري) هي “المخابئ السرية” للذاكرة، وزفيراً للهوية المقموعة. ومع ذلك، نجد “جدلية الانشطار” تطل كغريزة انتحارية للمركز، وقدرٍ يحاصر الهامش حين يحارب المركز بأدواته الإقصائية ذاتها، مما أدى لمتوالية من التآكل التاريخي:
انشطار كوش (350م): التي تآكلت بنيوياً حين عجز المركز عن استيعاب التنوع، فتوزعت السيادة بين الممالك النوبية الثلاث.
تآكل الممالك المسيحية: حيث أدى الانقسام بين “المركز الكنسي” والهامش “الشعبي” إلى سقوط سوبا (1504م) أمام تحالفٍ (الفونج والعبدلاب) كان في أصله حراكاً من الأطراف انقلب ليؤسس مركزاً جديداً.
عدوى الانشطار الحديثة: انتقلت هذه الغريزة بضراوة إلى جسد السودان الحديث الذي تشكل عام 1821م؛ فورثت “دولة 56” جينات هذا التآكل، فانتهت ببتر الجنوب الذي وُلد كدولةٍ مستنسخةٍ من قامعها، حاملةً ذات العقلية، وكأن “الساقية” لا تزال تدور في حلقة الفشل المركزية.
الخاتمة:
ختاماً، لقد كانت عملية “تغييب العقول” في حقبة السودان القديم ضرورةً بنيوية لبقاء المركز مسيطراً، وهي التي أنتجت إنساناً “مغترباً في وطنه” يرى نفسه بعيون ساجنه. إن استرداد “الملكية الفكرية” لهذا الوطن يبدأ بتحطيم مثلث السيطرة (المقدس، العرق، اللغة)، وتبني “السودانوية الشاملة” كمنصة معرفية تنظر للتاريخ كنسيجٍ متصل، وتعتبر فنون الأطراف “تكنولوجيا سيادية” وأصالةً لا تقبل التجيير. ويعتبر استرداد الوعي هو الخطوة الأولى لتحطيم مرايا الزيف، والعبور نحو سودانٍ يتسع للجميع بوعيٍ حرٍ وعقلٍ مستنير.




