رأي

ذاكرة الشهداء في مواجهة تجار المواقف 

محمد تاج الدين الحلو

 

محمد تاج الدين الحلو 

ما بين خطاب الأمس وخطاب اليوم مسافة لا تُقاس بالزمن، بل بحجم التنازل الذي يطرأ على الروح. هناك تحولات تصيب بعض البشر حتى ليبدو التاريخ معها كأنه مُحي عمدًا، وكأن الذاكرة الجمعية للشعوب يمكن شراؤها أو إعادة تشكيلها بخطاب جديد، أو بمنصب عابر، أو بامتيازات السلطة.

كيف لإنسان كان يومًا رمزًا للثورة، وصوتًا للمقهورين، ومصدر إلهام للشباب، أن يتحول فجأة إلى نسخة باهتة من الخطاب الذي قضى عمره يقاتله؟

كيف لمن حمل شعارات الكرامة والعدالة، وسار وسط الدخان والرصاص، وشهد سقوط رفاقه شهداء وجرحى، أن يصبح لاحقًا متحدثًا باسم ذات المنظومة التي كانت تُقدَّم للشعب باعتبارها أصل المأساة وجذر الخراب؟

ليست المشكلة في تغيّر المواقف؛ فالمواقف السياسية تتبدل أحيانًا وفق قراءة الواقع. لكن الكارثة تبدأ حين يتحول التغيير إلى خيانة صريحة للمعنى، وإلى انقلاب كامل على التاريخ الشخصي والنضالي، وحين يصبح الثائر مجرد موظف لدى السلطة، يردد خطابها بذات الحماسة التي كان يهاجمها بها بالأمس.

هذا المشهد ليس جديدًا.

فقد عرفته الجامعات والساحات السياسية منذ زمن بعيد. كنا في أيام الجامعة نتابع حسن طرحة، ذلك الخطيب المفوه في أركان النقاش، المناضل الصلب الذي كان حضوره وحده كفيلًا بجذب الحشود. كان نموذجًا للسياسي الجريء الذي يواجه بطش الكيزان بلا خوف، ويتحدث بثقة المؤمن بقضيته، حتى ظن كثيرون أنه خُلق من مادة لا تنكسر.

كنا نحرص على حضور أركانه لأننا رأينا فيه صورة المناضل الحقيقي؛ السياسي الذي لا يساوم، ولا ينحني، ولا يبيع صوته مهما اشتد القمع.

لكن اللحظة الفارقة جاءت حين وقف ذات يوم متحدثًا باسم طلاب الحركة الإسلامية. نفس الصوت، نفس الحدة، نفس البلاغة… لكن بلا روح.

اختفت الجماهير، وتبدد الحماس، وأصبح الناس يمرون بجوار الركن كما يمرون بجوار جدار صامت. في تلك اللحظة لم يسقط الرجل سياسيًا فقط، بل سقط رمزيًا وأخلاقيًا؛ لأن الناس لا تعاقب الخطأ بقدر ما تعاقب الخيانة.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب المناضل ليس السجن ولا المطاردة ولا الهزيمة العسكرية، بل فقدان المعنى.

حين يفقد الإنسان اتساقه الداخلي، ويتحول من حامل لقضية إلى تاجر مواقف، يصبح مجرد صورة باهتة لنفسه القديمة. فلا السلطة تمنحه الاحترام الحقيقي، ولا الجماهير تغفر له سقوطه.

وما بين حسن طرحة والسافنا تتكرر المأساة ذاتها؛ وجوه كانت يومًا ملهمة، ثم انتهت إلى ظهور مرتبك وخجول، فاقد للبريق والصدق. من فرسان يهتفون للحرية إلى أصوات مدفوعة الثمن تبرر القمع وتعيد إنتاج خطاب الهيمنة نفسه الذي خرجت الشعوب ضده

لكن ما لا يدركه الساقطون في امتحان المبادئ، أن الشعوب قد تُرهق لكنها لا تنسى.

فالذاكرة الحية لا تمحو أسماء الشهداء، ولا تساوي بين من ضحّى ومن باع، ولا بين من ثبت على المبدأ ومن استبدل القضية بالمكاسب.

ستظل كلمات الشهداء أعلى من ضجيج السلطة، وسيبقى النضال الحقيقي ملكًا لأولئك الذين يدفعون ثمن مواقفهم دون أن يساوموا عليها.

أما الذين غيّرتهم السلطة، فسيبقون مجرد أمثلة حزينة على أن السقوط الأخلاقي يبدأ دائمًا بخطوة صغيرة نحو التبرير، وينتهي بانطفاء كامل للروح

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!