
بشير مختار الفاضل ..ود الفاشر
“الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع حين يؤمن الشعب أن الكرامة أثمن من الخوف.”
في لحظة فارقة من التاريخ السوداني، تُسطّر قوات الدعم السريع – قوات التحرر الوطني – صفحة جديدة من ملحمة الكفاح بتحرير مدينة الفاشر، آخر معاقل الفلول وقوى الردة في إقليم دارفور. لم يكن هذا النصر حدثًا عابرًا في مسار الحرب، بل محطة مفصلية في رحلة طويلة من المقاومة ضد القهر والهيمنة والتسلّط. فهو إعلان رمزي بانتهاء مرحلة وبداية أخرى، عنوانها العدل والمواطنة والانعتاق من التبعية.
لقد مثّلت الفاشر، عبر العقود، مرآةً لصراع السودان بين مركزٍ متسلّط وأطرافٍ مهمّشة. واليوم، وهي تستعيد حريتها، تُعيد صياغة معادلة الدولة من جديد. فالسودان لا يمكن أن ينهض من رماده إلا إذا تحرّرت أقاليمه من قبضة النظام القديم، الذي اختزل الوطن في مركزه الضيق وأقصى بقية أطرافه عن المشاركة والقرار. لذلك، فإن تحرير الفاشر لا يُقرأ فقط كتحول عسكري، بل كتحول في الوعي الجمعي للسودانيين نحو دولة جديدة، قاعدتها العدالة لا الامتيازات، والمواطنة لا العصبية.
قوات التحرر الوطني، وهي تتقدم بثقة في ساحات القتال، تدرك أن المعركة الحقيقية ليست فقط ضد بنادق النظام القديم، بل ضد منظومته الفكرية التي صنعت الفساد والتفاوت والتهميش. فالنصر لا يكتمل إلا بتحرير الإنسان من الخوف، والعقل من الوصاية، والوطن من التبعية. وهذا هو جوهر المشروع الوطني الذي يتبلور اليوم وسط رماد الحرب، ليصنع فجر السودان الجديد.
ولعلّ أكثر ما يميز هذا التحول هو وحدة الإرادة الوطنية التي أظهرتها هذه المعركة؛ فقد انصهرت فيها مشاعر أبناء السودان من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، في بوتقةٍ واحدة عنوانها الكرامة. تلك الروح الجمعية هي التي أسقطت مقولات التفوق والهيمنة، ورفعت مكانها قيم المساواة والاحترام المتبادل، لتعلن بوضوح أن السودان لا يُختزل في فئة أو جهة، بل هو وطن يتسع للجميع.
إن تحرير الفاشر ليس نهاية الطريق، بل بدايته. فالمهمة الأصعب ما زالت أمامنا: بناء الدولة التي حلم بها الشهداء والمهمشون والمظلومون. دولة المواطنة التي لا يُقصى فيها أحد، ولا يُفضَّل فيها أحد إلا بقدر ما يقدمه للوطن. إن إعادة تأسيس السودان على أسس جديدة هو التحدي الحقيقي، لأن التحرير العسكري لا يكتمل إلا بتحرير البنية السياسية والفكرية من رواسب الماضي.
واليوم، ونحن نبارك لشعبنا هذا النصر الكبير، نؤكد أن التاريخ لا يُكتب بالصدفة، بل بإرادة الشعوب حين تختار الحياة. فالفاشر لم تتحرر بالسلاح وحده، بل بإيمان أبنائها وعدالة قضيتهم. ومن رحم المعاناة يولد النور، ومن تحت الرماد ينهض الوطن.
“حين يتحرر الوطن، لا يعود كما كان، بل كما يجب أن يكون.”




