“نحن الجيش.. وأنتم عبيد” شهادة صادمة لرقيب سوداني تكشف الوجه العنصري الخفي داخل جيش البازنقر وكتائب البراء
التنوير تقرير خاص القسم السياسي

التنوير تقرير خاص القسم السياسي
لم يكن الرجل يتحدث بلسان سياسي محترف، ولا بخطاب معارض مُعد بعناية، بل كان يتكلم بصوت مكسور لرقيب أول أفنى أكثر من نصف عمره داخل المؤسسة العسكرية السودانية، مؤمناً ـ كما يقول ـ أنه يخدم “جيش السودان”، قبل أن يكتشف متأخراً أن المؤسسة التي حمل سلاحها لعقود تنظر إليه باعتباره “غرابياً” مشبوهاً لا أكثر.
في تسجيل مؤلم ومشحون بالغضب والانكسار، روى الرجل ـ وهو من قبيلة البرقو الصليحاب ـ تفاصيل ما وصفه بحملة إذلال وتعذيب نفسي تعرض لها داخل ما يسمى بـ”الخلية الأمنية” في بحري، بعد أن ذهب بنفسه لتسوية وضعه العسكري وتسليم سلاحه بصورة رسمية.
لكن ما وجده هناك، بحسب روايته، لم يكن مؤسسة عسكرية تحترم سنوات خدمته، بل مجموعات متشددة ذات خطاب جهوي وعنصري، تتعامل مع أبناء غرب السودان باعتبارهم “طوابير” وخونة محتملين.
من حرب الجنوب إلى زنازين الإهانة
يقول الرجل إنه خدم في الجيش سنوات طويلة، وشارك في حرب الجنوب، ودعم ما سُمي وقتها بـ”المجهود الحربي”، وقاتل تحت راية الدولة السودانية في أكثر من جبهة، قبل أن يجد نفسه فجأة موضع شك واحتقار بسبب أصوله الجغرافية.
بحسب روايته، فإن عناصر تتبع لما يعرف بـ”كتائب البراء” داخل الخلية الأمنية تعاملت معه بازدراء بالغ، وصادرت سلاحه فور وصوله، قبل أن تبدأ سلسلة طويلة من الإهانات والاستجوابات المهينة.
الأكثر قسوة في حديثه لم يكن الاعتقال نفسه، بل اللغة التي استُخدمت ضده.
“إنتو ناس الغرب كلكم طوابير”..
“إنتو عبيد”..
“نحن الجيش”..
هكذا قال الرجل إن أحد العناصر الشابة خاطبه، في مشهد وصفه بأنه “أقسى من الحرب نفسها”.
الرجل الذي تجاوز الرابعة والخمسين من عمره، وله أبناء مستنفرون داخل الجيش ذاته، بدا مذهولاً من أن شاباً صغيراً ـ على حد وصفه ـ يخاطبه بتلك الطريقة، ويطالبه بـ”الانحناء” لأنه ينتمي لما يسمى بالخلية الأمنية.
جيش يتحول إلى ماكينة فرز عرقي
تكشف الشهادة، بكل ما فيها من ألم وغضب، عن أزمة أعمق من مجرد تجاوز فردي داخل مؤسسة عسكرية. فالرجل يتحدث بوضوح عن ما يراه “تحولاً خطيراً” داخل الجيش، حيث أصبحت الهوية الجغرافية والانتماء الإثني معياراً للثقة والولاء.
ويؤكد أن عشرات من ضباط الصف والجنود المنحدرين من غرب السودان محتجزون بصورة تعسفية داخل مكاتب أمنية في بحري، فقط لأنهم ينتمون إلى مناطق الغرب.
الأخطر في إفادته أنه يتحدث عن مؤسسة لم تعد موحدة حتى داخلياً، بل باتت ـ وفق روايته ـ منقسمة إلى مراكز نفوذ متصارعة.
ويقول إن هناك جناحين واضحين داخل الجيش:
أحدهما مرتبط بياسر العطا وكتائب البراء والتيارات الإسلامية المتشددة، والآخر يدور حول البرهان وبعض القيادات العسكرية الأخرى.
هذه ليست مجرد رواية غضب لرجل مكسور، بل شهادة تحمل مؤشرات خطيرة على حجم التشظي داخل المؤسسة العسكرية السودانية، وعلى تمدد الجماعات العقائدية داخلها.
“نحن الجيش”.. لحظة اختطاف الدولة
أخطر ما في هذه الشهادة ليس فقط العنصرية الفجة، بل التحول النفسي والسياسي الذي تعكسه العبارات المتداولة داخل تلك المجموعات.
حين يقول عنصر شاب لرقيب خدم لعقود: “نحن الجيش”، فهو لا يتحدث بصفته فرداً داخل مؤسسة وطنية، بل كعضو في جماعة ترى نفسها المالك الحصري للدولة والسلاح والشرعية.
ذلك التحول يعكس ـ بحسب مراقبين ـ طبيعة المشروع الذي تقوده التيارات الإسلامية المسلحة داخل المؤسسة العسكرية، حيث لم يعد الجيش جيشاً قومياً جامعاً، بل مساحة مغلقة لإعادة إنتاج الامتيازات الجهوية والعقائدية.
الرجل نفسه عبّر عن هذه الصدمة بمرارة واضحة حين قال إن الجيش الذي خدمه لسنوات “لم يعد موجوداً”، وإن ما يراه الآن هو “مليشيا” لا تشبه المؤسسة التي عرفها.
العنصرية كسلاح حرب
ما يرويه هذا الرقيب السابق ليس حالة معزولة في سياق الحرب السودانية الحالية، بل يأتي ضمن موجة واسعة من الاتهامات المتعلقة بتصاعد خطاب الكراهية والعنصرية داخل مناطق سيطرة الجيش والجماعات المتحالفة معه.
فالحرب التي بدأت كصراع عسكري تحولت تدريجياً إلى مساحة مفتوحة لإعادة إنتاج الانقسامات الإثنية والجهوية، مع تنامي خطاب يعتبر أبناء دارفور وكردفان “طوابير خامسة” أو “أعداء داخليين”.
ويبدو أن هذه اللغة لم تعد حبيسة وسائل التواصل الاجتماعي أو المنابر السياسية، بل انتقلت ـ وفق هذه الشهادة ـ إلى داخل غرف التحقيق ومكاتب الاعتقال وحتى العلاقات اليومية داخل الوحدات العسكرية.
وهي مرحلة يصفها ناشطون بأنها الأخطر، لأنها تعني انتقال العنصرية من مستوى الخطاب إلى مستوى الممارسة المؤسسية المنظمة.
من الإهانة إلى الانشقاق
في نهاية شهادته، بدا الرجل وكأنه يحسم موقفه النهائي من المؤسسة التي خدمها طويلاً.
فبعد سنوات من القتال تحت راية الجيش، أعلن بوضوح انحيازه إلى “قوات تأسيس” بقيادة محمد حمدان دقلو، قائلاً إنه سيقاتل معهم لأنه لم يعد يرى في الجيش الحالي مؤسسة وطنية تمثله أو تحترم إنسانيته.
ذلك التحول لا يمكن قراءته باعتباره موقفاً فردياً معزولاً، بل كمؤشر على الكيفية التي تدفع بها الممارسات العنصرية قطاعات واسعة من العسكريين والجنود إلى إعادة تعريف انتماءاتهم السياسية والعسكرية.
حين يشعر الجندي أن هويته الإثنية تسبقه داخل المؤسسة، وأن سنوات خدمته يمكن أن تُمحى بكلمة “غرابي”، فإن الانشقاق يصبح نتيجة طبيعية لا استثناء.
وفي بلد تمزقه الحرب والانقسامات، تبدو مثل هذه الشهادات بمثابة جرس إنذار مرعب حول مستقبل مؤسسة عسكرية تتآكلها العقيدة الجهوية والكراهية المنظمة من الداخل.




